بل لقد مضى الإسلام في هذا السبيل إلى ما هو أبعد من تحرير الرقيق، فلم يتركهم في متاهة عالم الحرية الجديد دون عصبية وشوكة وانتماء، وإنما سعى إلى إدماجهم في القبائل والعشائر والعصبيات التي كانوا فيها أرقاء، فأكسبهم عزتها وشرفها ومكانتها ومنعتها وما لها من إمكانات، وبذلك أنجز إنجازاً عظيماً وراء وفوق التحرير عندما أقام نسيجاً اجتماعياً جديداً التحم فيه الأرقاء السابقون بالأحرار، فأصبح لهم نسب قبائلهم عن طريق " الولاء "، الذي قال عنه الرسول (: [الولاء لُحْمَةٌ كلُحْمَة النسب] رواه الدارمي. حتى لقد غدا أرقاء الأمس " سادة " في أقوامهم، بعد أن كانوا " عبيداً " فيهم .. وقال عمر بن الخطاب وهو من هو في الحسب والنسب عن بلال الحبشى، الذي اشتراه أبو بكر الصديق وأعتقه: " سيدنا أعتق سيدنا "! .. كما تمنى عمر أن يكون سالم مولى أبي حذيفة حياً فيختاره لمنصب الخلافة .. فالمولى، الذي نشأ رقيقاً، قد حرره الإسلام، فكان إماماً في الصلاة وأهلاً بخلافة المسلمين.
ولقد ساعد على هذا الاندماج في النسيج العربي فضلاً عن الإسلامي ذلك المعيار الذي حدده الإسلام للعروبة وهو معيار اللغة وحدها، فباستبعاد " العرق .. والدم " غدت الرابطة اللغوية والثقافية انتماءً واحداً للجميع، بصرف النظر عن ماضى الاسترقاق وعن هذا المعيار للعروبة تحدث الرسول (فى معرض النقد والرفض للذين أرادوا إخراج الموالى، ذوى الأصول العرقية غير العربية، من إطار العروبة، فقال: [أيها الناس، إن الرب واحد، والأب واحد .. وليست العربية بأحدكم من أب أو أم، وإنما هي اللسان، فمن تكلم العربية فهو عربي .. ] ..
هكذا كان الإسلام إحياء وتحريراً للإنسان، مطلق الإنسان، يضع عن الناس إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، ويحرر الأرقاء، لأن الرق في نظره " موت "، والحرية " حياة وإحياء " .. ولقد أبصر هذه الحكمة الإسلامية الإمام النسفى [710 هجرية /1310 م] وهو يعلل جعل الإسلام كفارة القتل الخطأ تحرير رقبة: (ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة) .. فقال: إن القاتل " لما أخرج نفساً مؤمنة من جملة الأحياء لزمة أن يدخل نفساً مثلها في جملة الأحرار، لأن اطلاقها من قيد الرق كإحيائها، من قِبَل أن الرقيق ملحق بالأموات، إذ الرق أثر من آثار الكفر، والكفر موت حكماً .. " .. فالإسلام قد ورث نظام الرق عن المجتمعات الكافرة فهو من آثار الكفر، ولأنه موت لروح وملكات الأرقاء، وسعى الإسلام إلى إلغائه، وتحرير أي إحياء موات هؤلاء الأرقاء، كجزء من الإحياء الإسلامي العام (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم).
ومع أن مقاصد الإسلام في تصفية نهر الرقيق بإغلاق روافده وتجفيف منابعه، وتوسيع مصباته لم تبلغ كامل آفاقها، إذ انتكس "الواقع التاريخي" للحضارة الإسلامية، بعد عصر الفتوحات، وسيطرة العسكر المماليك على الدولة الإسلامية .. إلا أن. حال الأرقاء في الحضارة الإسلامية قد ظلت أخف قيوداً وأكثر عدلاً بما لا يقارن من نظائرها خارج الحضارة الإسلامية، بما في ذلك الحضارة الغربية، التي تزعمت في العصر الحديث الدعوة إلى تحرير الأرقاء ..