ونستطيع من خلال هذا التتبع أن نقول: إن هذه القبائل كانت جميعها تنتسب إلى مضر وهو جد النبي صلى الله عليه وسلم أو من والاهم، وبالمعنى الأدق كانت نتيجة غضب إخوته من أجداده، أما اليهود فقد كانوا مع قريش حسب معاهدتهم معهم، وبذلك ظهر جلياً أن الغزوات والسرايا التي خاضها أو أرسلها النبي صلى الله عليه وسلم، كانت موجهة في نطاق ضيق هو نسل مضر، فلا يمكن أن يقال حينئذ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أشعل نار الحرب ضد العرب جميعاً، أو أنه خاض الحروب لإكراه الناس على اعتناق الإسلام، ولو كان الأمر كما يقولون لوقعت حرب عدوانية أو دفاعية ضد أي قبيلة من مئات القبائل العربية، وهذه الحقيقة تحتاج إلى مزيد من التعمق والتحليل في بعض خصائص القبائل العربية؛ إذ قد يقول قائل أو يعترض معترض: إن هذا الذي توصلنا إليه بالبحث - ألا وهو انحصار القتال مع المضريين - لم يحدث إلا اتفاقاً، والأمور الاتفاقية لا تدل على شيء ولا يستخرج منها قانون كلى نحكم به على جهاد النبي صلى الله عليه وسلم، إذ كان من الممكن أن يقاتل النبي صلى الله عليه وسلم ربيعة بدلاً من مضر، أو يقاتل ربيعة ومضر معاً، أو يقاتل القحطانية بدلاً من العدنانية أو يقاتلهما معاً، وهكذا.
ذلك المتوقع أن تزيد الألفة والمودة بين أفراد وقبائل الجد الواحد لا أن تشتعل نار الحرب والقتال بينهم، فما الذي عكس هذا التوقع وقلب الأمر رأساً على عقب؟!
وللإجابة على هذه الشبهة نقول:
كان من أشهر الأمثلة العربية المثل المشهور " انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً " وقد كان العرب يطبقون هذا المثل تطبيقاً حرفياً - دون هذا التعديل الذي أضافه الإسلام عليه - فكانوا ينصرون إخوانهم وبنى أعمامهم نصراً حقيقياً على كل حال في صوابهم وخطئهم وعدلهم وظلمهم، وإذا دخلت قبيلتان منهم في حلف كان لكل فرد من أفراد القبيلتين النصرة على أفراد القبيلة الأخرى، وهذا الحلف قد يعقده الأفراد وقد يعقده رؤساء القبائل والأمر واحد في الحالين.
بينما هم كذلك في بنى أبيهم وفي حلفائهم، إذ بك تراهم حينما تتشعب البطون قد نافس بعضهم بعضاً في الشرف والثروة، فنجد القبائل التي يجمعها أب واحد كل واحدة قد وقفت لأختها بالمرصاد تنتهز الفرصة للغض منها والاستيلاء على موارد رزقها، وترى العداء قد بلغ منها الدرجة التي لا تطاق، كما كان بين بطنى الأوس والخزرج، وبين عبس وذبيان، وبين بكر وتغلب ابنى وائل، وبين عبد شمس وهاشم، ... إلخ، فكانت روح الاجتماع سائدة بين القبيلة الواحدة، تزيدها العصبية حياة ونمواً، وكانت مفقودة تماماً بين القبائل المختلفة؛ فكانت قواهم متفانية في قتالهم وحروبهم ونزاعاتهم.
وقد علل الشيخ محمد الخضرى بك هذه الحقيقة العجيبة بأمرين:
الأمر الأول:
التنافس في مادة الحياة بين بنى الأب الواحد، إذ أن حياتهم كانت قائمة على المراعى التي يسيمون فيها أنعامهم، والمناهل التي منها يشربون.