تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فعند سلم طائرة الشحن العسكرية يُستقبل الأسير المكبل من قبل "المُضِيفين" لإعادة نفس الإجراءات سالفة الذكر، من تمزيق الملابس، والإلقاء على أرضية، الطائرة والتفتيش التام، والإكساء بحفاظة وملابس أخرى، وشد القيود على الأرجل والأيدي، وربط العينين بلاصق قوي، وإدخال الرأس والوجه والعنق في غطاء بلاستيكي ضيق تنقطع معه الأنفاس، ثم يُسحب الأسير بقوة وغلظة وأصوات المحركات تخرق أذنيه خرقاً حتى يوضع على أحد جنبي الطائرة - وربما في وسطها - فيجلسونه ناصباً ركبتيه وهما مضمومتان إلى بطنه وملتصقتان بها أشد الالتصاق، ثم تُجعل يداه حولهما وتُلف يداه ورجلاه وظهره جميعاً بشريط لاصق قوي لا يستطيع معه الحركة إطلاقاً، هذا مع آلام القيود البلاستيكية المحكمة والتي يشعر أنها تقطع أعصاب يديه ورجليه، وكلما رام الحركة والتنفيس عن نفسه قليلاً زادته القيود إحكاماً وآلاماً، فيبقى على هذه الهيئة محنطاً يصارع آلامه التي لا يجد عنها حولاً طوال الرحلة التي لا يَعرف منتهاها زماناً ولا مكاناً.

وعلم الله أنني لا أذكر ألماً وشدة جسدية مررت بها في حياتي كلها مثل الذي لقيته عند نقلي أنا وأحد إخواني - فك الله أسره - من كراتشي إلى كابل، حيث كنت أدعو وبإلحاح أن يُسقط الله الطائرة لأستريح مما أعانيه، وكذا أخبرني أكثر الأخوة الذين لقيتهم في السجن ممن نقلوا من دولة إلى أخرى بعد اعتقالهم أنهم كانوا يدعون الله بالدعاء نفسه، وقد رُحل إخوة عدة إلى أفغانستان وبهذه الطريقة الفظيعة من دول كثيرة من العالم، فبعضهم من باكستان - من كراتشي، إسلام آباد، بيشاور، كوهات - حيث تستغرق الرحلة ثلاث أو أربع ساعات، وبعضهم من أندونيسيا، وجيبوتي، وتايلند، وجورجيا، وألمانيا، والمغرب، وموريتانيا، ومصر، والإمارات وغيرها.

6) ما إن تحط الطائرة على أرض المطار المجهول، حيث ينتظر الأسير تلك اللحظة بفارغ الصبر ظناً منه أنه سينال قسطاً من الراحة، حتى يُسرع إليه الزبانية بغلظتهم وفظاظتهم وجرجرتهم ليُسلموه إلى زبانية مثلهم، إما من الأمريكان أو أنصارهم المرتدين، وذلك حسب السجن الذي سيقبع فيه ليقضي فترة تحقيقه الأولية، أو يكون وجوده في هذا السجن عابراً – ترانزيت - لا يستغرق إلا بضعة أيام، وربما ساعات، ثم يعاد مسلسل النقل نفسه إلى جهة أخرى، وهكذا دواليك.

* ... * ... *

فكوا العاني · الصفحة ٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فكوا العانيص ٢٧