وأهل السنة لا يحكمون على أحد بكفر ما لم تُقم عليه الحجة وتتحقق فيه شروط الكفر وتنتفي موانعه. ولا يقولون عن أحد من أهل القبلة إنه من أهل الجنة أو النار إلا من خبر الله ورسوله كقول الله عن أبي لهب ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ (المسد 3) وشهادة النبي - صلى الله عليه وسلم - للعشرة بالجنة.
إذ الحكم على شخص بأنه من أهل الجنة أو من أهل النار أمر عظيم قد يودي بقائله إلى جهنم، يستوي في ذلك من حكم لشخص بالجنة أو بالنار فإن كلاً منهما مفتر على الله.
وذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن رجلاً قال: والله لا يغفر الله لفلان. فقال الله: من ذا الذي يتألى عليّ أني لا أغفر لفلان؟ فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عملك"(1). وفي رواية كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين، فكان أحدهما يذنب والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول: أقصُر، فوجده يوماً على ذنب فقال له: اقصر فقال خلني وربي، أبُعِثتَ عليّ رقيباً؟ فقال: والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الله الجنة، فقبضَ أرواحهما فاجتمعا عند رب العالمين. فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالماً؟ أو كنت على ما في يدي قادراً؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: خذوا به إلى النار"(2).
فتأمل كيف عظم ذنب هذا المجتهد في الطاعات عند الله حتى طغى على سيئات هذا المسيء، وذلك أنه حكم على أخيه بدخول النار نيابة عن الله. فهذا القول الواحد كان أعظم عند الله من عشرات الأعمال السيئة.
اجتماع النقيضين
وإن من أعظم أصول أهل السنة والجماعة الاعتقاد بأن الرجل قد يجتمع فيه كفر ونفاق وصدق وإيمان وشرك وتوحيد وتقوى وفجور.
(1) رواه مسلم (2622) .
(2) رواه أبو داود 4901 وهو حديث حسن بشواهده .