ش : يبيِّن سبحانه في هذه الآية: أن إقامة الوجه وهو إخلاص القصد وبذل الوسع لدينه المتضمن محبته وعبادته حنيفاً مقبلاً عليه معرضاً عمَّا سواه هو فطرته التي فطر عليه عباده ، فلو خُلُّوا ودواعي فطرهم لما رغبوا عن ذلك ولا اختاروا سواه ، ولكن غُيِّرت الفطرة ، فأبواه يهوِّدانه وينصِّرانه ويمجِّسانه ، كما تُنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تُحسون فيه من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها ؟ ثم يقول أبو هريرة-رضي الله عنه-:اقرءوا إن شئتم :( فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ )وإضافة الفطرة إلى الله إضافة مدح فعُلِمَ أنها فطرة محمودة لا مذمومة كدين الله وبيته وناقته ، ونصب فطرة على المصدر لأن المعنى : فَطَرَ اللهُ الناسَ على ذلك فطرةً .
قوله :(لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ): قال ابن نجيح عن مجاهد: أي لدين الله فتغيير ما فطر الله عباده من الدين تغيير لخلقه لأنه تغيير ما خُلقت عليه نفسه وروحه .( انتهى من كلا م ابن القيم مختصراً ) .
وقوله تعالى: ( وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (البقرة:132) .
ش : قال أبو جعفر -رحمه الله- :" يعني تعالى ذكره بقوله ( وَوَصَّى بِهَا ) و وصَّى بهذه الكلمة عني بهذه الكلمة قوله:﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ (131) سورة البقرة . وهي الإسلام الذي أمر الله به نبيه صلى الله عليه وسلم وهو : إخلاص العبادة والتوحيد لله وخضوع القلب والجوارح له .
ويعني قوله:(وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ )أي عهِدَ إليهم بذلك وأمرهم به .