# وتذليله لها، وعلى أنها عامل مهم في حياته كذلك، قربت له البعيد، ومهدت له سبيل الثراء إلى غير ذلك من المنافع، ثم إنه قد يرى فيها حلما من أحلام الإنسانية صار حقيقة ملموسة فهو يتخذ من الجو بساطا ممهدا، يشارك العقبان في أجوائها، والهواء في مساربه، ويعتلي ظهر الماء آمنا مطمئنا سريعا، بل يغوص في أغواره يشارك الحيتان، مسابحها، ويصعد فوق صهوات السحب ويلقي نظرة من عليائه على الدنيا فإذا المدن العظمية كأنها لعب أطفال فتثير هذه الحال في نفسه مشاعر وأحاسيس جديدة.
وقد خلد بعض شعراء الغرب؛ لأنهم عنوا بمظاهر الحضارة الحديثة، ووصفها، وخصوها بحز كبير من شعرهم مثل كبلنج kiplina الشاعر الإنجليزي وهو من شعراء القرن العشرين وقد قال عنه نقاد الأدب الإنجليزي ومؤرخوه: "إنه عظيم لأنه كشف عن موضوع جديد للشعر وخلع عليه من خياله وحرارة وجدانه ما جعله موضوعا شعريا جذابا، إنه تميز عن سواه بوصف آلات الحضارة الحديثة، كالقطار، والباخرة، والمسرة، والبرق، والطيران ووجد فيها منبع إلهام، لم يتهيأ لسواه من الشعراء لاعتقاده أن الناس في هذه الأيام لا يرون زمانهم أجمل من زمن أسلافهم ويحلمون دائما بالماضي ويتحسرون عليهن مع أن جمال الحاضر أروع من جمال الماضي"1.
وإذا كان عبد المطلب في وصفه للطيارة في مطلع القصيدة العلوية نهج سبيل العرب في وصفهم للناقة التي توصلهم إلى الممدوح أو إلى الغاية من رحلتهم وذلك حيث يقول:
إذا ما هزمت في الجو خلنا ... جبال النجم تنهدم انهداما
وإن زجر الرياح جرت رخاء ... وولت حيث يأمرها الزماما
يسف على الثرى طورا وطورا ... تراه على الذرى شق الغماما
أجدك ما النياق وما سراها ... تخوض بها المهامه والأكاما