تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بيد أن المدرسة الإنجليزية التي أتت بعد زعماء المدرسة الرومانسية الأوائل جنحت إلى الواقعية، وتكتشف لها الطبيعة البشرية في أبشع صورها وتمثل لها ذلك الصراع الدامي في المجتمع الغربي بين الننزعات والرغبات المتباينة، وعبرت عنها تعبيرا مباشرا، فجاء أدبها حزينا كئيبا متشائما، يمثله بروننج، وبو، وويتمان، وتوماس هاردي وأضرابهم.

وقد قرأ لهم شكري كما قرأ لأسلافهم، ومن ثم أصيب بعدوى الحزن والكآبة التي صارت طابع شعره كله، وقد أتيح له أن يذهب إلى إنجلترا عقب تخرجه في مدرسة المعلمين العليا، ومكث ثمة بضع سنوات زادت فيها ثقافته الأدبية واتسعت آفاقها. وقرأ كثيرا بالإنجليزية عن الآداب الأوربية الأخرى ثم عاد إلى مصر، وزادت صلته وثاقة بالمازني والعقاد، وأخذ يوالي إصدار دواوينه الشعرية حتى بلغت سبعا في بضع سنين آخرها سنة 1919 وقد قدم العقاد لديوانه الثاني، كما كتب هو مقدمة الجزء الخامس من ديوانه، وتعتبر هذه المقدمة دراسة طيبة لرأيه في الشعر والطريقة التي يجب أن يسلكها الشعراء، وقد وضع فيها أسس هذا المذهب الجديد في الشعر، ذلك المذهب الذي سلكه صاحباه المازني والعقاد على اختلاف بينهم في الاهتمام بالعاطفة والفكر حيث زاوج شكري بينهما، وأثر المازني العاطفة، وانفرد العقاد بالفكرة.

ويقر المازني بأن شكري هو الذي هداه إلى الطريق السوي في الشعر حيث قال1: "ولقد غبر زمن كان فيه شكري محور النزاع بين القديم والجديد -ذلك أنه كان في طليعة المجددين إذا لم يكن هو الطليعة والسابق إلى هذا الفضل، فقد ظهر الجزء الأول من ديوانه، وكنا يومئذ طالبين في مدرسة المعلمين العليا وكانت صلتي به وثيقة، وكان كل منا يخلط صاحبه بنفسه، ولكني لم أكن يومئذ إلا مبتدئا، على حين كان هو قد انتهى إلى مذهب معين في الأدب، ورأي حاسم فيما ينبغي أن يكون عليه. ومن اللؤم الذي أتجافى بنفسي عنه أن أنكر أنه أول

في الأدب الحديث · الجزء ٢ · الصفحة ٢٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

في الأدب الحديثج ٢ · ص ٢٥٥