مكانته إن وافقهم على القول بخلق القرآن، كان رحمه الله يقول لهم دوماً: أعطوني آية من كتاب الله، أو حديثاً من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أذهب إليه! ([93])
إنه تحقيق لمقصد تعظيم النص الشرعي بمنهج تعظيم النص الشرعي نفسه!!
ويلحق بهذه النصرة لكتاب الله، ودفع مقولة المعتزلة الباطلة عنه: كل جهود علماء السلف في هذا الباب، تأليفاً ومناظرةً وردوداً، حتى كُسِرت شوكة المعتزلة بفضل الله، وآل أمرهم إلى ذبول وخمول وانحسارٍ، فتلاشٍ وانقراضٍ.
2 - مقولة الرافضة بتحريف القرآن ونقصه، "وأننا لا ندري لعلّ الذي في أيدينا من القرآن أقلُّ من عُشر ما أنزله الله تبارك وتعالى، وأن الدَّاجن والغنم قد أكل كثيراً مما كان أُنزل، وذهب على الأمّة حفظه وضبطه، وأنّ علم ذلك ومعرفته عند الإمام الوافر المعصوم "! ([94])
ونحو ذلك من خرافاتهم المتفرّقة في تفاصيلها، المجتمعة في تهافتها وبطلانها ووصفها لكتاب الله بالتحريف والتبديل.
فانبرى أئمّة السلف لنصرة كتاب الله ودفع هذه الأباطيل المفتراة عن ساحته، وكشف سوءة هذه المقولات، ورفع راية التعظيم لكتاب الله الكريم، ومن أشهر ذلك كتابا "الانتصار للقرآن" للإمام القاضي أبي بكر الباقلاني، و"منهاج السنة النبوية" لشيخ الإسلام ابن تيمية، فضلاً عما تضمّنته كتب العقائد من فصول فاضحة لتلك الافتراءات، منتصرة لكلام رب العالمين.
3 – مذهب المعتزلة في عدم الاحتجاج بأخبار الآحاد في العقائد، بدعوى أنها ظنّيات لا تقوى على إثبات القطعيّات، فإنّ القطعيّ لا يثبت إلا بدليل قطعيّ، وهي مقولة مبتدعة منزوعة التعظيم لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأثمرت إنكار جملة من العقائد الغيبية، كعذاب القبر ونعيمه وإثبات الصراط والحوض والشفاعة ورؤية الله في الآخرة.
فكان لزاماً على منهج السلف القائم على تعظيم النصوص الشرعية التصدّي لهذا المذهب بالإبطال وكشف زيفه، وهو ما حمل أئمة الحديث على إفراد أبواب في إثبات الاحتجاج بأخبار الآحاد في الشريعة جملة وفي العقائد خاصة، كما فعل الإمام البخاري في صحيحه في كتاب أخبار الآحاد، ثم أعقبه بكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة.
وهو أيضاً ما حمل الأصولييّن على تخصيص فصول من كتاب السنّة في مباحث الأدلّة المتفق عليها، للحديث عن حجية خبر الآحاد، والانتصار لذلك، وردّ شُبه المعتزلة بالمنقول والمعقول.
4 – مذاهب المعطلة ونفاة الصفات الإلهية من جهمية ومعتزلة وغيرهم، سواء كان تعطيلاً ونفياً مطلقاً للصفات، أو بعضها دون بعض، فإنها قائمة على تعطيل النصوص الشرعية عن دلالاتها الظاهرة في إثبات الصفات الإلهية أو تحريفها، وكلاهما بمعزلٍ عن تعظيم النصوص الشرعية.
فجاء مذهب السلف صريحاً في بناء عقيدة الأسماء والصفات على منهج تعظيم النصوص الشرعية، بإثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه، وما أثبته له رسوله - صلى الله عليه وسلم - في سنته من غير تعطيل ولا تحريف ولا تمثيل ولا تكييف.