وحين نجد في حياة السلف نماذج لذلك نعلم أنهم بلغوا في تعظيمهم للنص الشرعي ما يتجاوز حدود التنظير المجَّرد والوصف الأجوف، وللإمام أحمد في هذا السياق موقف بديع، ذلك أنه لما وقعت المحنة بالقول بخلق القرآن، واستُدعي الأئمة لامتحانهم خرج الإمام أحمد من داره مختبئاً في دار تلميذه إبراهيم بن هانئ، ومكث عنده ثلاثاً، ثم قال: اطلب لي موضعاً، فقال له ابن هانئ: لا آمن عليك! قال: افعل، فإذا فعلتَ أفدتُّك، فطلبتُ له موضعاً، فلما خرج قال: اختفى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الغار ثلاثة أيام ثم تحّول! ([84])
تالله ما أعجبه من تعظيم للنّص وتوقير صادق يشهد له العمل في أصعب المواقف، أهذا موضع يسع المرءَ فيه أن يخلص بفكره إلى محنته، أم إلى توقف وامثال، بل إلى بحث عن اقتداء واستنان؟
ثم نطق رحمه الله بما حقّه أن يكتب بماء الذهب فقال: "وليس ينبغي أن تتبع سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الرخاء وتترك في الشدة" ([85]).
ولا عجب .. أفليس أحمد إمام أهل السنّة؟!
5 - الغضب وشدة النكير على من يخالف النص أو يتهاون به أو لا يبدو عليه توقير النص الشرعي، ولو كان المخالف أو المتهاون بالنّص من الأبناء ومن يُشرع في حقهم الرفق والرحمة!
حدّث ابن عمر رضي الله عنهما ذات يوم بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إذا استأذنت أحدَكم امرأتُه إلى المسجد فلا يمنعها " ([86])، فقال ابنه بلال: والله لنمنعهنّ، فغضب عبد الله غضباً شديداً وقال: أحدّثك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقول لنمنعهنّ؟!
لم يكن قول بلال رفضاً صريحاً للحديث النبوي، لكنه متأوَّل على أنه يحق له منع امرأته لو بدا له مايدعو إلى رفض استئذانها، ومع ذلك فلم يجد له أبوه عذراً لموقف كهذا في مقابلة النص الشرعي ([87])، قال ابن الملقّن في فوائد هذا الحديث: "وتأديب العالم من يتعلّم عنده إذا تكلّم عنده بما لا ينبغي، وتقديم حق الله ورسوله على غيرهم، والقول بالحق وإن كان المقول له قريباً ". ([88])
وكان عبد الله بن مغفَّل - رضي الله عنه - جالساً إلى جنبه ابنُ أخٍ له، فَخذَف، فنهاه وقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عنها، وقال: "إنها لا تصيد صيداً ولا تنكي عدواً، وإنها تكسر السنّ وتفقأ العين" ([89])، قال: فعاد ابن أخيه يخذفُ، فقال له: أحدّثك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عنها ثم عدتَّ تخذف؟ لا أكلّمك أبداً! ([90])
إن هذا الحزم منهم - رضي الله عنهم - مع من لا يرونه يقف عند النص توقيراً وعملاً وعدم تقدّم بين يديه لهو من عظيم توقيرهم للنص الشرعي وتعظيمهم لجنابه.
6 – تربية الأمّة قولاً وعملاً على توقير النصّ الشرعي، بامتثاله وعدم التقدّم عليه، وترك كل شيء إليه، أما العمل: فقد تقدّمت نماذج عدّة في توقيرهم وتعظيمهم، وهي تربية عملية منهم لأبنائهم والأجيال من بعدهم.