تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المبحث الثاني: توقير النص الشرعي

المراد بالتوقير هنا نوع من التعظيم الخاص للنص الشرعي، وهذا التعظيم العملي المتمثّل في احترام النّص الشرعي والوقوف عند مقتضاه، وسرعة الامتثال، وعدم التقدّم بين يديه بقول أو فعل، وكل ذلك قد تقدّم تأصيله في الفصل الأول باعتباره مقصد الشريعة من التكليف، بتمام امتثال المكلّفين وعدم تقدّمهم بين يدي النصوص الشرعية مطلقاً.

وقد كان للسلف الكرام - رضي الله عنهم - القدح المعلّى في هذا المعلم، بل بهم يُضرب المَثل وتُشحذ الهمم في تعظيم النص وتوقيره بتمام الامتثال له والخضوع لحكمه والانقياد ظاهراً وباطناً عن طواعية ورضىً تامّين، مما يعزّ مثاله في الأجيال اللاحقة!

بل ليس من المبالغة القول بأن حياتهم كلها وتاريخهم أجمع كان تعظيماً عملياً للنص الشرعي وتوقيراً صادقاً، بتحكيمه في شتى جوانب الحياة، والبحث عنه بغية العمل به في كل شأن، على حدّ قول شيخ مكة وفقيهها سفيان بن عُيينة: "إن استطعت ألا تحكّ رأسك إلا بأثر فافعل "!

وعندئذ فلن يسع المقام أن نحكي شواهد ذلك من حياة السلف، لأنه يستلزم حكاية تاريخ جيل بتفاصيله، ولكني سأورد شذرات من ذهب، صاغتها أقوال السلف وأفعالهم في هذا الباب، جاعلاً إيّاها في المحاور الآتية:

1 - سرعة الامتثال لحكم النص أمراً ونهياً، وتطبيقه فور بلوغه دون تردّد أو تأخّر، وهذه أمارة صدقٍ لتعظيم النّص، كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: "بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آتٍ فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أُمِر أن يستقبل الكعبة فاستقبِلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة "! ([76])

وكما في قصة أنس بن مالك - رضي الله عنه - لمّا كان يسقي عمومته الخمر قبل تحريمها في دار أبي طلحة - رضي الله عنه -، فجاءهم آتٍ فقال: إن الخمر قد حُرِّمت، فقالوا أكفئها، فكفأتُها ([77])، وفي لفظ قال: فجرت في سِكَك المدينة، وفي لفظ قال: فما راجعوها ولا سألوا عنها بعد خبر الرجل! ([78])

فأن يتحّول المصلّون في قبلتهم من بيت المقدس إلى الكعبة وهم في الصلاة فيكون إمامهم خلفهم، وأن يُسارع القوم في إراقة شراب لهم كان حلالاً، كل ذلك بمجرّد بلوغهم النّص: آيةٌ في تعظيمه وتوقيره!!

ولما يوصف رجلٌ حديدُ الرأي مثل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بأنه كان وقّافاً عند القرآن، فإنه يعني تطويع النفس وسماتها لتعظيم النص الشرعي، ونزعها أمامه عما ألِفَتْه من اعتداء وصلابة!

تعظيم النص الشرعي .. مكانته ومعالمه · الصفحة ١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تعظيم النص الشرعي .. مكانته ومعالمهص ١٤