تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وشدّة التوقي والتحفّظ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو أيضاً لون عجيب من التعظيم للحديث النبوي تعظيماً يحمل على المبالغة في حفظه وروايته.

فالزبير - رضي الله عنه - يتوقّى التحديث خشية أن يخطئ فيكون كاذباً على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ([68])، وابن مسعود - رضي الله عنه - عنه لم يكن يحدّث قائلاً: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ففعل ذات عشية، فنكس فإذا هو قائم محلَّلةً أزرار قميصه، قد اغرورقت عيناه وانتفخت أوداجه، وقال: أو دون ذلك، أو فوق ذلك، أو قريباً من ذلك، أو شبيهاً بذلك ([69])!

وزيد بن أرقم - رضي الله عنه - يُطلب منه التحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيعتذر قائلاً: كبرنا ونسينا، والحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شديد ([70])!

فضلاً عمّن كان لا يكاد يحدّث بحديثٍ مدّة طويلة مع حفظه له، كما كان عمر وأنس وسعد بن مالك - رضي الله عنهم -، هيبةً وتعظيماً ([71])!

فهل حفظٌ لحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - مبنيٌ على التعظيم له والإجلال لمكانته فوق هذا؟!

وأما الرحلة في طلب الحديث وسماعه فتاريخ حافل وسنة ماضية لأهل الحديث وحفّاظه، رحل جابر بن عبدالله - رضي الله عنه - مسيرة شهر إلى عبدالله بن أنيس - رضي الله عنه - في حديث واحد ([72])، وساح أهل الحديث في الأرض شرقاً وغرباً في طلب الحديث النبوي وسماعه وحفظه، وسُطِّرت أعاجيب الأخبار في طول هذه الرحلات، وما اعترضها من مشاقّ وعقبات، ليس وراءها من دافع سوى الحب والتعظيم لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امتلأت بهما صدور السلف الكرام.

فكان نتاج ذلك حفظ عجيب وإتقان بالغ تجاوزا حدّ المألوف، ليس لمتون الأحاديث وضبط اختلاف ألفاظها وتفاوت مخارجها فحسب، بل حتى لأسانيدها وطرق رواتها وأسماء رجالها، لا يختلط عليهم اسم راوٍ بآخر، ولا إسناد حديث بإسنادٍ غيره، في زمن ليس فيه من آلات الحفظ ووسائله شيء، سوى تسخير العقول والقلوب وتفريغها لحفظ الوحي واحتوائه، فحُفظت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل التدوين، ومُيّز صحيحها من ضعيفها وثابتُها من مردودها، فما كان التدوين إلا إثباتاً لما حفظته تلك الصدور الواعية.

ب – حفظ السُّطور:

والمراد به الكتابة والتدوين، وقد شمل ذلك الكتاب والسنة على حدٍّ سواء.

أمّا القرآن: فقد جُمع مكتوباً مرتين في عهد الصحابة - رضي الله عنهم -، أولاهما في خلافة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، والأخرى في خلافة عثمان - رضي الله عنه -.

فالجمع الأول في خلافة أبي بكر - رضي الله عنه - كان الغرض منه جمعه مكتوباً مرتّب الآيات والسُّور، إذ كان مكتوباً مفرَّقاً في الصحف وجريد النخل والحجارة والرِّقاق، فلما استحرّ القتل بقرّاء الصحابة يوم اليمامة أشار عمر على أبي بكر رضي

تعظيم النص الشرعي .. مكانته ومعالمه · الصفحة ١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تعظيم النص الشرعي .. مكانته ومعالمهص ١٢