تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رابعاً: نوعيه الخطاب، أو (مكانه وزمانه).

==========================

من المهم أن يدرك الداعية أن مكان الدعوة وزمانها له تأثيره الواضح في توجيه خطابه، وإن غفل عن هذين الجانبين الهامين سوف يفشل فشلاً ذريعاً في الوصول إلى عقول وقلوب المخاطبين، وسوف يكون خاطبه سقيماً عقيماًً، فنجد مثلاً في العهد المكي يمكث النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاث عشرة سنة يدعو بدون أن يفكر هو ولا أصحابه في رفع السيوف ـ التي تحت سيطرتهم ـ في وجه أعدائهم رغم الدواعي الكثيرة التي تدفعهم نحو ذلك.

يقول أبو الحسن الندوي ـ رحمه الله ـ: " هذا والرسول - صلى الله عليه وسلم - يغذي أرواحهم بالقرآن ويربي نفوسهم بالإيمان، ويخضعهم أمام رب العالمين خمس مرات في اليوم عن طهارة بدن وخشوع قلب. وخضوع جسم وحضور عقل، فيزدادون كل يوم سمو روح ونقاء قلب ونظافة خلق وتحريراً من سلطان الماديات ومقاومة للشهوات ونزوعاً إلى رب الأرض والسموات، ويأخذهم بالصبر على الأذى والصفح الجميل وقهر النفس، لقد رضعوا حب الحرب وكأنهم ولدوا مع السيف، وهم من أمة، من أيامها حرب بسوس وداحس والغبراء، وما يوم الفجار ببعيد. ولكن الرسول يقهر طبيعتهم الحربية ويكبح نخوتهم العربية، ويقول لهم: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ﴾ (1) فانقهروا لأمره وكفوا أيديهم، وتحملوا من قريش ما تسيل منه النفوس في غير جبن وفي غير عجز، ولم يسجل التاريخ حادثة دافع فيها مسلم في مكة عن نفسه بالسيف مع كثرة الدواعي الطبيعة إلى ذلك وقوتها" (2).

أولاً: مراعاة المكان والزمان: ... مما تقدم يتضح أن مكان وزمان الخطاب مهمان عند الداعية، فلابد من مرعاه المكان الذي يوجه إليه الخطاب ـ وأقصد تحديد المجتمع وتركيبته ـ والزمان الذي يحوي هذا الخطاب، وعندما نقول تجديد الخطاب الديني أي تغيير أساليبه

(1) (77) سورة النساء.

(2) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ص 124.

تطوير الخطاب الديني · الصفحة ٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تطوير الخطاب الدينيص ٨٤