والغريب أن من الناس من أغرق في النظر إلى الجزئيات وبحثها وأغفل كليات الشريعة, فكأنه الناظر من ثقب الباب وينكر رؤية من لا يراه.
وفي الناس من حكم في المسألة المقاصد والكليات والقواعد تحكيم الغافل عما ورد فيها من النصوص الحاكمة.
وغفل هؤلاء عن الاستجابة لحكم الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وجهلوا أن المقاصد والكليات إنما أخذت من آحاد الأحكام.
فقد عرفنا أن الشريعة تريد حفظ العرض فحققت ذلك بأحكام من جملتها – مثلاً – فرض الحجاب.
فلا يقال مثلاً أن المقصود هو تحقيق العفة, وسلامة العرض ويمكن أن نحقق ذلك بغير أن تتحجب المرأة المسلمة.
وبكل حال فإن للشيخ منهجه الرصين في ذلك انظر مثلاً في فتواه على سؤال هل يسوغ البناء على أصوات البواريد والمدافع ونحوها في الإخبار بدخول الشهر فقال: (الأمر المهم الذي يراد إعلانه و إشاعته والإخبار به على وجه العموم, يسلك فيه كل طريق يحصل به هذا المقصود, فتارة ينادى فيه على وجه التصريح به أو الإجمال, وتارة يعبر عنه بالأصوات التي لها سريان ونفوذ إلى المحال البعيدة, وتارة بغير ذلك مما يحصل به هذا المقصود.
ولم يزل هذا دأب الناس قديماً وحديثاً على هذا مجتمعون, وبالعمل به في الأمور الدينية والدنيوية متفقون, وقد أقرهم الشارع عليه, بل وردت أصول من شرعه تدل عليه, فكل ما دل على الحق والصدق والخبر الصحيح مما فيه صلاح دين العبد, فإن الشارع يقبله ويأمر به ويحث عليه, فالشارع لا يرد خبراً صحيحاً بأي طريق وصل, ولا ينفي حقاً بأي طريق دلالة ظهر, خصوصاً إذا استفاض ذلك الخبر واحتفت به القرائن المتنوعة.