فليس يَحْسُن الحكمُ عليه بظاهر قوله ×: "فأمره إلى الله إن شاءَ عذَّبه وإن شاء عفا عنه"، فهذا الذي يكون أمره إلى الله -سبحانه-؛ إمَّا بالنجاة، وإما بالعذاب، وهو أمرٌ مجهولٌ لنا، ولا نُحيط من علمه بشيءٍ البتّة، ولو أننا حكمنا عليه بغير ما هو ظاهر منه، لكان حكماً مضطرباً، غير سائغ بدليل من الشرع، ولا برأي يهتدي به العقل، فقد بيّنا -آنفاً- أن الإخلاص نوعان: ظاهر بالعمل، وخفيُّ بالاعتقاد، وليس يصلح الإخلاص ولا يسلم من ثَلْب، إلاّ بهما معاً، وقَصْره على القلب عدْوٌ بظلم على ما كان من عمل بالجوارح ولا بدَّ.
ولسنا مع من يحكُم بعلم اليقين على من يجعل عمل الجوارح دليلاً على صحة إيمانه، وسلامة دينه، إذاً؛ فقد عهد المنافقون إلى الأمة أنّهم على أوفر ما يكونون من إيمان، لكن يلزمنا أن نحكم لهم بظاهر عمل الجوارح أنهم مسلمون، وأنه دافعٌ عنهم عقوبة الكفر أو المعصية، وبمثل هذا كان ردُّ النبي × على بعض أصحابه -حين هموا بقتل واحد من المنافقين-؛ بقوله: "لئلا يقال: إن محمداً يقتل أصحابه!!"، ووكَلَهم إلى ظاهر حالهم، وهو يعلم المنافقين جميعاً بأعيانهم، ولم يُعلم بهم أصحابَه؛ لئلا يُفتح باب من الشر، يصعب غلقه مِنْ بعد، وأنْ يكون الخطأ في صيانة الدماء، خيراً ولا بدَّ منْ أن يكون الخطأ في إصابة الدماءِ.
والإذعان القلبيُّ لما أوجب الله الإذعان إليه، إن علم المذعنُ أن به النّجاة؛ فهو سهل يسير، ليس فيه من مشقة الإذعان البدني شيءٌ، وحقيقة الإذعان، أو الإذعان الحق -كما أسلفنا- مزيجٌ منهما معاً، لا يغني أحدهما عن الآخر في العموم، إذ كلٌّ منهما مُتِمٌّ للآخر، وكلاهما يأتلفان على ما يُطلب من العبدِ أن يكون به مؤدياً حقَّ الإذعان له بكل ما شرع.