وليس من شكٍّ في أنّ العربية ما كانت لتستعجمَ على ألسنة العرب، وتَثقلَ حركة حروفها فوق ظهور ألسنتهم، لو أن الفتوح أبقت على التَّعَرُّب الأول عند بدايات الفتوح، لكن هذا ما كان ليكون، وطبائع الأشياء كلُّها -المعنوية منها والحسيّة- تأباه، حيث إن حركة العلم -تلقياً، وبذلاً، وذيوعاً- تسرع وتبطىءُ، بما يكون من الانفعالات النفسية، والاستقبالات الحسِّية، التي تكون من جوارح البشر، سواءٌ أكانت من فردٍ واحدٍ، على ضعف فيه أم على قوة، أم كانت من أفرادٍ -تأتلف حركاتهم- لتشكِّل حركةً واحدةً بائتلافها.
واللغة هي التي تكشف عن هذه الانفعالات، وتصوّر تلكُمُ الاستقبالات وهي (اللغة) التي تمزج بينها كلِّها، لتتَّسق في صورٍ تعبيرية عن مكنونات الحياة البشرية، والقدُرات التي تمدّها بالاستمرار، واختزان الأشياءِ: بصورها، وأشكالها، وأسمائها، وأوصافها، وكل ما يقدَّرُ أن يصدر عنها، ولا يخفى -حتى على الجهلاء- أن اللغة هي الكاشف، المظهر، الواصف لكل هؤلاء، بعد أن تكون قد استوت في تصوراتها، واستقامت على معانيها، واستقرت بمبانيها، ولا يكون الحكم عليها حكماً سليماً، إلاّ من بعد أن تكون قد أخذت من كلِّ واحدٍ من هؤلاء شيئاً، لتعطي الحكم الدقيق في الحكم كذلك -إلاّ من بعد أن ينتهي مريدُ الحكم من الموازنة والمقابلة بين الأشياءِ التي تكون قد اجتمعت والتقت، وذلك: لما يكون بينها -أحياناً- من التشابه والمشاكلة التي تحتاج لذلك بشيءٍ من التريُّث والوقوف المتأمِّل، الذي لا يخطىء الحكمُ معه، أو يكون مقارباً الصواب(4).