تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد أدرنا كلامنا في كلِّ المسائل التي أتينا عليها -وهي عشر- على أن الصحة والكمال بمعنىً، وإن كان بينهما عموم وخصوص، حتى لو أننا قلنا أن الكمال أعم في الدلالة على المعنى المراد بالصحة وأشمل وأوعب، لما كنا جاوزنا الحقَّ، يدلُّ لذلك ويقوِّيه قوله عليه الصلاة والسلام: "كَمُلَ من الرجال كثير، ولم يَكْمُلْ من النساء إلا آسيةُ امرأةُ فرعون، ومريمُ ابنة عمران، وإن فضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام"، ولستُ بظانٍّ أحداً ممن لقلبه علوق بالعربية، قائلاً: إن الكمال لا يهدي بمعناه الجليِّ في هذا الحديث إلى أبعد مما يدل عليه الصحيح، فالكمال درجة فوق الصحة ولا بدَّ، إلا ما يكون مما أحدث الناس بعد العهد الأزهر الأول، كما ذكرتُ ذلك من قبل، وقد مَنَّ الله على الأُمة في كل أعصارها، بأن ما جرى عليه الأمر في ذلك العهد لم يتغيَّر ولم يتبدَّل، وبقي ظاهراً في الدنيا على ما كان عليه، إلى أن صار للأسماء -التي لم يُعْرفْ لها في لغة العرب إلاما وضعت له على لسان الذين ولدت اللغة العربية بولادتهم، ونزل بها ما أنزل الله من كتابه- معنى يقال له: لُغَوِيٌّ، ومعنى يقال له: اصطلاحيٌّ، ولو قالوا غير ذلك لكان أهدى وأمثل، لو قالوا: إنَّ من بعض كلام العرب، ما تدلُّ الكلمة الواحدة منه على معانٍ عدَّة، وهو ما صار يعرف باللفظ المشترك، فهذا لا يغيِّر معنى، ولا ينقص معنى، ولا يزيد معنى.

تنوير الأفهام إلى بعض مفاهيم الإسلام · الصفحة ٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تنوير الأفهام إلى بعض مفاهيم الإسلامص ٥٢