جسده طرباً له، ليعود عنه -متربِّصاً بنفسه الدوائر التي حاكها، وطوَّق نفسه بها، بفقهه الباطل، وقلمه المثلوم- فيقول في نفسه: لم يكن مرادي هو الذي فهمه عنِّى الناس، ثم يسارع في سوءِ فهمه وباطل دعواه، لينقض ما كان قد سوَّد به صفحاتٍ كثيرةً، ويدَّرأ بواحد من أهل العلم، زعم أنه تتلمذ على يديه، منكراً بزعمه هذا من تتلمذ عليه حقيقةً، دأْبه الدائبُ في التَّحوُّلِ والنكوصِ، وصار في ذلك كله وغيره من السيِّئات مثلاً يحتذى.
وحتى لا تذهب الظنون بالقراءِ بعيداً فيقولوا فيَّ قولاً قاسياً يعود عليهم بالضُّرِّ والأذى أُسرعُ بهم إلى درء هذه الظنون فأقول: إن ما ذكرت إنما هو صورة تصوُّريَّةٌ، تصويرية، تراها على كل باب من أبواب الكثيرين من طلاب العلم يعني (وجه البُكْسة) على رأيْ المثل، فما ينبغي لزائر واحدٍ يَضعُها على بابه، أن يغبط نفسه أو غيره أنه يعرف فلاناً أو فلاناً من (وجه البُكْسة) فما عرف والله إلا ما كان خيراً له أن لا يعرفه.
وإن كان من دعوى بعضٍ أن ما يُذْهَبُ إليه من هذا التفريق بين شرطي الكمال والصحة، إنما هو من حرصٍ على الإبقاء على صيغة المنهج الدَّعوي صحيحةً، صواباً، سالمةً، فإنها دعوى ربَّما كان لها قبول -على النقض والنقص والاختلاف الذي فيها- لو علم مُدَّعوها ما أوجب الله عليهم -من وجوب فهم مقتضى التَّوحيد الحق، والإيمان الصحيح (وإن بشرطيه)- بنبذ أسباب الفرقة كلِّها، -(التي ضربت بطنبها في بني إسرائيل، وأضحوا من أشد ما يكونون هم حرصاً عليها)- والحرص على كلِّ أسبابِ اللقاءِ والاجتماع على كلمة واحدةٍ سواءٍ (وهي التي التأم بها جماعة المسلمين السابقين، وكانوا أشد ما يكونون حرصاً عليها) ليُفهم بها المنهج المظلوم على يد كثير من أهله، الذين يدَّعون أنهم أهله والأحقُّ به، نسأل الله العافية، والسَّلامة من كل سوءٍ.