تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولعل سائلاً يسأل فيقول: وماذا لو أنه عادَ عن هذا الدليل إذ ظهر له ضعفه أو وضعه، فترك العمل به؟ فالجواب:

أولاً: أنه يجب عليه ترك العمل به، ولو بقي يعمل به من بعد ذلك لكان مخطئاً بل يكون آثماً إلا أن يقع في العمل به بحكم ما جرت عليه العادة، لذا؛ فعليه أن يحاذر.

ثانياً: أما ما مضى من العمل بهذا الدليل، فإنه ما كان إلا من علم

بصحته، فما كان له أن يتحوَّل عنه، فإن كانت دلالته على الوجوب فواجبٌ عليه العمل به، وإن كان دالاً على التحريم وجب عليه تركه، وهكذا في سائر الأحكام.

ولا بدَّ من تبيُّن شيء تبيُّناً يفضي إلى دفع لبْسٍ قد يخالط البعض، فيقولون قولاً غير صالح، ذلكم: أن الإنكار أو الجحود الذي بيَّناه آنفاً إنَّما هو في غير ما يكون تركه كفراً من حيث هو تركٌ، سواء أكان بجحودٍ أم لم يكن كذلك. وذلك كترك الصلاة، أما ما نعلم كفره -بتركه الدليل الذي اعتقد صحته وأن العمل به واجب إن دلَّ على الوجوب أم لم يدل على الوجوب- فإنه لا يُحكم عليه بالكفر، إلا من بعد أن يُعلم السبب الذي حمله على ترك العمل به، إذ قد يكون قد تبيَّن له حكم أو وصف جديد غير الذي كان قد جرى عليه العمل عنده، حتى لو كان حراماً فواقعه، أو واجباً فتركه، أما إنْ كان الدليل قام على كفر الفاعل -بفعله أو بتركه جَحَده أو لم يَجْحَدْه- فالكفر هو الكفر ولا ريب، كترك الصلاة، لكن لا يُعْجَل، بل لا بدَّ من استتابته قبلها، فإن تاب وإلا قُتِلَ بردَّته.

وإذ الأمر كذلك، فما فائدة التفريق بين الكمال وبين الصحة، وجعلهما شرطين؟!

وعليه: فإنَّ ما ذهبتُ إليه من أن التفريق بين شرطي الكمال والصحة لا ترتجى من ورائه فائدة، ولا يُدْرك به طائل، بل إنه يفضي إلى فسادٍ كبير، يجب التحذير منه، وسدُّ باب الذريعة الذي ينتهي إليه، وبخاصة في المسائل العقدية، التي استبيحت بها وصائِدها، وشوِّهت بها معالمها، بما

تنوير الأفهام إلى بعض مفاهيم الإسلام · الصفحة ٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تنوير الأفهام إلى بعض مفاهيم الإسلامص ٣٦