تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن شر الخرص أن يأتي الخراص من وراءِ ظهور الناس، يبحث عن واحد منهم يلقي إليه بشَرَكِهِ، ويوثقه به، فلا يقوى على الفكاك منه، وهذا الواحد لا يصرفه عن حسن ظنه بالخراص صارف، فإذا لقيه أسرع إليه بالمودة، وألقى إليه بالسلام، وأقبل عليه بالبشاشة، والخراص لا يرى في براءَة هذا الواحد أوْ ذاك إلا لوثة يصبغ بها لسانه، ويفتل بها حبلاً من الإفك فتلاً شديداً ليزيد من شدة وثاقه إليه.

ومن شر الخرص أيضاً أن يقتنص الخراص كلمات سمعها من فلان أوْ من فلان، فيزيد عليها أوْ ينقص منها، لا يبغي إلا أن يشوه صورة فلان هذا، فيجرِّئُ الناس عليه بذمه والنيل منه، لا يحمله على ذلك إلا حسد حط في صدره بأقبح شيءٍ وأسوئِه، أو مظنة سوءٍ أفزعته في نوم ويقظة، بلا دليل ظاهر، ولا برهان مبين.

ومن شر الخرص أيضاً أن يتربص الخراص بمن يريد خرصه الدوائِر، حتى إذا شام شيئاً رابه منه، أمسك به بيديه، ثم أقام عليه بنياناً من الإفك والزور، وأغرى الناس بزيارته والطواف به، فيعجبون مما صنع هذا الخراص، ويرون في بنيانه هذا - وقد نمقه وشيده - بنياناً حقيقاً بالتدبر والنظر، ليكون أنموذجاً لهم، فيدخلونه ثم لا يعرفون كيف يخرجون منه.

والخرَّاص يرسم لنفسه دائِرةً يجر إليها من يحب أن يخرصه صيداً سهلاً بلسانه الذرب ونفسه المريضة، فلا يغادرها إلا إذا ملك الضجر عليه أقطار نفسه، فإذا عاد إلى ما كان عليه من قبل فإنه لا يلبث أن يعود سيرته الأولى، وهكذا حتى يرى نفسه موثوقة إلى خرصه، فلا يفتأُ يذكرها بالسوء والشر في سره، فيدخلها في تلك الدائِرة التي رسمها لنفسه، فيكون شأنه في ذلك شأن الحُطيئَةِ حين لم يجد من يهجوه بشعره، ولم ير بدّاً من أن

يقول هجاء لغلبة طبع فيه، فهجا نفسه.

تنوير الأفهام إلى بعض مفاهيم الإسلام · الصفحة ١٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تنوير الأفهام إلى بعض مفاهيم الإسلامص ١٧٥