وهنا يأتي دور العالم أو الفقيه في أي زمان، وفي أي مكان، أن ينظر في ما نظر فيه العلماء أو الفقهاء الذين مضوا قبله، وخلَّفوا وراءهم اجتهادهم في المسائِل التي اجتهدوا فيها، لا في الأخذ بها أخذاً مسلَّماً فيه، من غير ترجيح لاجتهاد على اجتهاد في مسألة ما، ولا في النظر الحائِر الذي يتيه فيه الناظر نفسه، فضلاً عن غيره، ممن ينتظر أن يعرف حكم الله في هذه المسألة، ولا في سوق الاجتهاد فيها سوقاً مجرداً، قائِلاً: هذا رأي فلان في هذه المسألة، وهذا رأي فلان... الخ. ولا في التعصب لرأي واحد لا يحمله عليه إلا الهوى، فكل هذه لا يكون فيها نصح لعامة المسلمين ولا لخاصتهم، وليس يصح أن يقال: إن في واحد من هذه كلها علماً صحيحاً بله أن يقال: إفتاء.
إذاً فواجب العلماء في المسائل التي اختلفت فيها أنظار العلماء باجتهادهم هو النظر من جديد في هذه المسائِل، بإنزالها على أدلتها من الكتاب والسُّنَّة وإجماع الأمة، فإن رجح لديهم اجتهاد عالم في مسألة منها على اجتهاد عالم آخر لموافقته صريح الدليل، فيكون اجتهادهم فيها قد وافق اجتهاد من سبق، ولا يكون ذلك إلا محض توافق في نظر مجتَهدَيْن اثنين متقدم منهما ومتأخر، اجتهد كلاهما، مستندين في اجتهادهما إلى دليل.