تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان الرأي عند أصحاب رسول الله × غير مساغ قط حتى ولو كان صواباً، فلا يجد أحدهم بدّاً من نصح إخوانه أن يتهموا الرأي في الدين، وإذ الرأْي متهم فصاحبه مقدَّم في الاتهام. فهذا سهل بن حنيف رضي الله عنه يقول: "يا أيها الناس، اتهموا رأيكم عن دينكم، لقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أردَّ أمر رسول الله × لرددته، وما وضعنا سيوفنا على عواتقنا إلى أمر يفظِعنا إلا أسهَلْنَ بنا إلى أمرٍ نعرفه".

وكان هذا منهم ليس من عند أنفسهم، بل هو أخذ عن رسول الله ×

الذي قال لهم فيما يروي لنا عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما: "إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاهموه انتزاعاً، ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناسٌ جهَّال يستفتون، فيفتون برأيهم، فيُضلُّون ويَضِلُّون".

ولقد صدق أبو السمح حين قال: "إنه سيأتي على الناس زمان يُسْمِن الرجل راحلته، ثم يسير عليها حتى تهزل، يلتمس من يفتيه بسنَّة، فلا يجد إلا من يفتيه بالظن".

ولقد نبتت نابتة سوء في زماننا حين ألوى المشايخ أعنَّة عقولهم عن الإصغاء للحق وسماعه من نفر آتاهم الله حظّاً من فهم الكتاب والسُّنَّة، وأخذوا يعرضون على الناس هذا الفهم بأسلوب يجمع بين لغة الماضي ودقتها، وبين لغة الحاضر وسهولتها، فأصغت قلوب الكثيرين وعقولهم إليهم، فأوجد عليهم المشايخ، وأخذوا يريشون السهام ويشدون أوتار الأقواس، ويرمونهم من مكان خفي، لا يجرؤون على المواجهة الصريحة الشريفة، لعلمهم أنهم عاجزون أمام أُولئِك النفر، فأتوا من جهل وحسد في آن معاً، وشر الداء وأدوؤه ما يكون من جهل وحسد.

وأخيراً فإنني لا أحسب أحداً يجرؤُ أن يقول: رأي الله كذا، وأي فرق ظاهر بين قولنا مثلاً: رأي الله كذا، ورأي الدين أو الإسلام كذا، فإن الدين هو الوحي المنزل على النبي × الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإِسْلاَمُ﴾.

? ?

مَن أحقُّ بالفتيا؟

تنوير الأفهام إلى بعض مفاهيم الإسلام · الصفحة ١٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تنوير الأفهام إلى بعض مفاهيم الإسلامص ١٦١