تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم إن من يقول بأن النسخ يشبهُ أن يكون رأياً، قد أوغل بعقله القاصر مَوْغِل بعض الفرق الشاردة عن مورد الهدى، تلك التي تقول وتعتقد بعقيدة "البَداء"، وهي عقيدة تكاد أن تكون اتهاماً صريحاً لله في علمه حاشاه، إذ معنى البَداءِ: "علم شيءٍ لم يكن الله يعلمه من قبل، فبدا له وظهر من حسن شيءٍ أو قبحه ما كان خافياً مستوراً"، وأيُّ ضلال أكبر من مثل هذا الاعتقاد المفترى على الله جلَّ جلاله، وهو الذي أحاط بكل شيءٍ منذ أن كان، وهو وحده أعلم كيف كان، وإلى أن تقوم الساعة.

فأيُّ فرق حينئذٍ بين من يرى أن النسخ يشبه أن يكون رأياً، وبين من يقول ويعتقد بعقيدة البداء؟! فهما شيءٌ واحد، واسم واحد، لمسمَّى واحد، وإن اختلفت صورتهما، وتباينت حروفهما.

والوحيان (الكتاب والسُّنَّة) شيءٌ واحد، مصدرهما الله سبحانه، نزل بهما جبريل على رسول الله ×، وقد قطع الرسول × الطريق على أُولئِك الذين أرادوا أن يفرقوا بين الوحيين، فقال: "يوشك الرجل متكئاً على أريكته يحدَّث بحديث من حديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله عز وجلَّ، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرَّمناه، ألا وإن ما حرَّم رسول الله × مثل ما حرَّم الله"، وقال فيهما أيضاً: "ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض".

ولست هنا بصدد بيان مرتبة السُّنَّة من القرآن، والقرآن من السُّنَّة، فهذا يطول جداً، وقد أفردته في بحث خاص، أتيت فيه على مسائل نافعة إن شاء الله تعالى، يسَّر الله نشره، ولكنني بصدد بيان أنه لا يجوز إطلاق (الرأي) على السُّنَّة النبوية، كما لا يجوز إطلاقها على القرآن، فكلاهما وحيٌ من الله سبحانه، يدبِّر بهما أمر خلائِقه، الذين ذرأهم في الأرض ليعمروها.

تنوير الأفهام إلى بعض مفاهيم الإسلام · الصفحة ١٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تنوير الأفهام إلى بعض مفاهيم الإسلامص ١٥٥