إن القائِلين بهذه المقولة الحادثة، رغم تأكيدهم عليها، والإكثار من الحديث عنها، فإنهم لم يضعوا تعريفاً أو حدّاً لما سموه قشراً، أو لما يسمَّى لباباً ينتهي إليه الراغب في العمل باللباب وحدَه دون القِشْر، ولا أحسَبُهم واضعين، وهل من الحكمة أن يدعوَ واحدٌ أو جماعة لشيء ثم لا يكونوا على بينة منه؟ ثم كيف يستطيع هؤلاء أن يدعوا غيرهم إلى شيء وهم غير قادرين على تعريفه أو بيان حدِّه؟ أو لِنَقُل: لم يضعوا له تعريفاً ولا حدّاً حتى الآن، وقديماً قيل: "الحُكْم على الشيء فرعٌ من تصوره"، وإنَّ دعوتهم إلى هذه المقولة الحادثة لا يمكن أن تصادفَ قبولاً في عقول الناس إذا كانوا هم أنفسهم غيرَ قادرين على الحكم على ما يدعون إليه، هذا إنْ كانوا قادرين أيضاً على الإحاطة به تصوراً في أنفسهم أولاً، أما وهُم غيرُ قادرين على ذلك، فمن الخير والأجدى أن يصمتوا وأن يمسكوا عن مواصلة الحديث في هذه المقولة.
•…ثانياً:
إذا كان الداعون إلى هذه المقولة لم يضعوا لها تعريفاً ولم يرسموا لها حدّاً، فلنضع نحن لها تعريفاً تقريبياً -كما يُقال- ثم لِنَنْظُر، هلى يقوى هذا التعريف على الثبات أمام النظر العلمي المحض بما نورده في الفقرات الآتية، أو أنه لا يثبت. لنقل: "اللباب في المأمورات الشرعية هو ما يدخل تحت الحكم الواجب، والقشر هو ما جاوز دائِرة الحكم الواجب، أما اللباب في النواهي فهو ما يدخل تحت الحكم الحرام، والقشر هو ما لم يتناوله الحرام الصريح في النواهي"، وعلى ذلك فالقشور في المأمورات: كل مندوب أو مباح، وفي النواهي: المكروهات، وبذلك فإنه يجتمع لدينا من القشور ما يزيد على نصف الدين، ويبقى لنا من لبابه أقل من النِّصف، فهل من الوَرَع في الدين أنْ ندع لعذر لا يدرى مأتاه -إلا جهل أو هوى أو غفلة- أكثر من نصف الدين قشوراً، لنأخذ أقل من نصفه لباباً؟
•…ثالثاً: