تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رأوْا تأويلها في ذلك كله وغيره، فعاشوا في أعطاف نبوَّة النبي، وأووا إلى ظلِّها في شدة ورخاء، في خوف وأمْن، في كرب وفرج، في ألم وفَرَح، في رغْبة ورهبة، في ضَعْفٍ وقوة، في فقر وغنى، في عُسْر ويُسْر، في مكره ومنشط، في ظمإٍ وري، في جوع وشبع.

أمة بأسرها تعيش في صدر هذا النبي، منذ أن وُلدَت رسالته، وإلى أن تقوم الساعة، حتى إذا سيقت الأمم إلى عَرَصات الآخرة قام عليه الصلاة والسلام ثم خرَّ ساجداً بين يدي ربه قائِلاً: أمتي أمتي. فيُخْرجُ الله من نار جهنم كرامة له، كل من قال لا إله إلا الله.

ونبوة تعيش في هواجر القلوب والأرض بأسرار الوحي لا ترى لنفسها حقّاً على الناس ما لم يكن قد استوفى الناس حقّهم منها أولاً، فإنما كانت نبوة لتقيم الوزن بالقسط فيهم، حقّاً مفروضاً عليها من بارئِها تجري به رخاء، تُصيبُ به من تشاءُ بإذن ربها، غير مُؤثرة نفسَها عليهم بشيءٍ من زينة الدنيا، فقد أدَّبه سيده وخالقه، ﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ﴾ وأغناه بما لم يكن لغيره من البشر، ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾، فكان في أعين الناس أكبر من كل مَلِك، وأملك للمال من كل غني، وأكثر تابعاً من كل متبوع، بل أين الملوك، وأهل المال، وأصحاب الرياسة منه؟ وهل تُقَاسُ الأرض بالسماء؟ وهل تُذْكرُ النجوم الغائِرة مع الشمس المنيرة؟

ماذا يَصْنع بالمُلْك والملوكُ قد أقبلت عليه، إما راغبة وإما راهبة، "إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديدَ بمكة"؟ وماذا يصنع بالمال والأرض قد طويت له بأرجائِها، "وإنَّ مُلْك أُمتي سيبلغ ما زُوي لي منها"؟ وماذا يصنع بالرياسة والسمعة، وقد جاءته تسعى على استحياء ووجلٍ: "نُصرت بالرعب من مسيرة شهر؟".

تنوير الأفهام إلى بعض مفاهيم الإسلام · الصفحة ١٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تنوير الأفهام إلى بعض مفاهيم الإسلامص ١٢٦