كانوا بحق أهل الإيمان والهدى والقرآن، وأرباب العلم والجهاد والإحسان، في الليل ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: 17 - 18]، ونهارهم
﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾
[الحشر: 8].
أيها الإخوة الكرام:
يتلقّى المسلم رمضان، ويحيّيه ببرٍّ وبِشر، وجدٍّ واجتهاد في الأمر، مستشعراً قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا جاء رمضان فُتّحَت أبواب الجنّة وغُلّقَت أبواب النار وصُفّدَت الشياطين" (1).
وحيّا آخرون رمضان بعبوس واشمئزاز وتشاؤم واستنكار، فساءت أحوالهم وفسدت قلوبهم، لأن رمضان يقطع عليهم ملذّاتهم ويمنعهم شهواتهم، إذ أوردوا أنفسهم مشارع البوار وحبسوها في منازع الدمار.
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه: 124 - 127].
يُروى أن ابناً للخليفة الرشيد كان سفيهاً فاسداً، قد خلع عِذاره، وألقى إزاره، لما دخل عليه رمضان تنمّرَ وتذمّر، وضاق به ذرعاً، وتنكّر وأنشد يقول:
دعانيَ شهر الصوم لا كان من شهر
ولا صُمتُ شهراً بعدهُ آخِرَ الدّهر
فلو كان يُعديني الأنامُ بقدرةٍ
على الشهر لاستعديتُ جهدي على الشهر
فأخذه داء الصرع فكان يُصرع في كل يومٍ مرات متعددة، ومات قبل أن يدركه رمضان آخر (2).
عياذاً بالله من مسالك الأشرار، ونسأله سبحانه أن يهدينا لمسالك الأخيار البررة، إنه أرحم الراحمين، وأكرم المكرمين تبارك وتعالى.
﴿2﴾ فضائل الصّيام ومحاسنه
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
[البقرة: 183 - 184].
أيها الإخوة الفُضَلاء:
إن الصيام من أجلّ الطاعات وأعظمها وأشرفها، وسبب ذلك يعود لأمرين:
"أحدهما: أن الصوت تركٌ وكفّ، وهو في نفسه سرّ ليس فيه عمل يُشاهد، وجميع أعمال الطاعات بمشهد من الخلق ومرأى، والصوم لا يراه إلا الله ـ عز وجل ـ فإنه عملٌ في الباطن بالصبر المجرّد.
والثاني: أنه قهرٌ لعدوّ الله تعالى، فإن وسيلة الشيطان ـ لعنه الله ـ الشهوات، وإنما تقوى الشهوات بالأكل والشرب، فلما كان الصوم على الخصوص منعاً للشيطان وسداًّ لمسالكه وتضييقاً لمجاريه استحق التخصيص بالنسبة إلى الله عز وجل (3).
واعلموا أيها الإخوة أن للصيام فوائد عديدة دلّت عليها النصوص النبوية، أجمع حديثٍ حواها وأحسنه أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ المتفق عليه، وأخرجه البخاري في كتاب الصيام باب فضل الصوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الصيام جُنّة، فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤٌ قاتله أو شاتمه فليقُل: إني صائم، والذي نفسي بيده لَخُلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به والحسنة بعشر أمثالها".
وفيه أيضاً: "للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقى ربَّه فرح بصومه (4).
وقد أفاد هذا الحديث الشريف عدة فوائد:
1 - أن الصيام جُنّة: والمراد جُنّة من النار أي وقاية وستر من النار كما أفادتها بعض زيادات الحديث فعند سعيد بن منصور "جُنّة من النار"، وعند أحمد في مسنده بسند صحيح عن جابر ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصوم جُنّة يستجن بها العبد من النار" (5)، وعند أحمد أيضاً من حديث أبي هريرة: "جُنّة وحصن حصين من النار" (6) وعند أحمد والنسائي من حديث أبي عبيدة: "الصيام جُنّة ما لم يخرقها" (7). يعني بالكلام ونحو.
(1) تفسير ابن كثير (3/ 549)، والحديث رواه البخاري (4684)، ومسلم (993) عن أبي هريرة.
(2) لطائف المعارف لابن رجب ص (276 – 277).
(3) الإحياء (1/ 274).
(4) البخاري (1894 - 1904)، ومسلم (1151).
(5) مسند أحمد (3/ 396).
(6) مسند أحمد (2/ 402).
(7) مسند أحمد (1/ 195)، وسنن النسائي الكبرى (2542 – 2543).