تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأمّا تتبُّع المساجد لمجرد الصوت الحسَن على سبيل التشهّي، بحيث يُرى المسلم كل ليلة في مسجد فهذا من الأمور المحدّثة في هذا الزمان وليس من هدي السلف، وفيه تفويت لمصالح حسنة، وضد هذه الطائفة الباغية للخير والمسارعة في الثواب، طائفة أخرى زاهدة في التكثّر من الخير، رائثة في تحصيل الثواب، يُهرَعون إلى تتبع المساجد المغبونة التي يقصِّر أئمتها في صلاة التراويح، فيفرحون بالصلاة خلفهم والانضمام إليهم بُغية الراحة والانتهاء في وقت سريع، ليحلوا لهم قضاء معظم الليل في قيل وقال ولهوٍ مديد وطعام.

فترى هؤلاء يتذاكرون الأئمة في صلاة التراويح وأحسنهم إيجازاً وتخفيفاً، ليقوموا وراءه قيام رمضان لأنه ـ بزعمهم ـ أمثل القوم طريقةً وأرشدهم ديناً وبصيرة، والله المستعان!

ومما يُتعجَّب منه للغاية أن بعض هؤلاء الأئمة ـ كما عُلم وشُوهِد ـ يصلّون التراويح في ثلث الساعة وربما أقل من ذلك، ولا أدري كيف تأتّى لهم قضاء إحدى عشرة ركعة في هذا الوقت؟!، وهذا إن لم يكن جهلاً مُطبقاً، فهو تلاعب بالصلاة الشرعية وامتهان لها وسوء أدب مع ربنا سبحانه وتعالى.

﴿18﴾ رَمضَان مُواسَاة وإحسَانٌ

رمضان شهر المواساة والبذل والإفضال، وموسم الجود والرحمة والإكرام، شهر تربو الصدقة فيه إلى أضعافٍ كثيرة، والمعروف يتنامى إلى أجورٍ عظيمة والإحسان يتعاظم إلى حدٍّ لا يخطر ببال الإنسان.

شهرٌ بسَط الله تعالى فيه منازل الرحمة، وأغدق فيه ميادين النعمة، وأسبغَ منافع البذل والصدقة، لِعِظَمهِ فُتّحَت أبواب الجنّة وغُلّقت أبواب العذاب والنقمة وصُفِّدت الشياطين المرَدة.

يا أيها الصائمون:

إنّ حبسكم الأنفس عن الشهوات وفطامها عن المألوفات وتحمّلكم شيئاً من آلام الجوع، يذكّركم بأكباد جائعة ونفوس خاملة وأرواح بائسة تحتاج إلى نصرة وعون وشفقة وحنان ورحمة وإحسان.

إن المواساة في رمضان مندوبٌ إليها بشتى فنونها وألوانها، فهناك فقير لا يجد طعاماً، ومسكين لا يجد كساءً، وسقيم لا يملك دواءً ومُعدم لا يملك درهماً ولا ديناراً، وثمّة جهال يحتاجون دعوةً وعلماً، ومُبتلون يرجون سعة ودعاء، ومجاهدون يبغون نصرةً وسلاحاً. كل أولئك مسلمون صائمون، أليس لهم علينا حقّ الإخوّة الإسلامية والرابطة الإيمانية؟!، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10].

كان صلى الله عليه وسلم أعظم الناس سخاءً، وأكرمهم بذلاً، وأغزرهم جوداً، وفي رمضان يزدادُ جودهُ ويتضاعف ويتدفّق حتى يغطي أماكن كثيرة ويذهل مَن يراه بحيث لا يبقى شيء عنده، "إذ كان عطاؤه عطاء مَن لا يخشى الفقر، وكان العطاء والصدقة أحبّ شيء إليه، وكان سروره وفرحه بما يُعطيه أعظم من سرور الآخذ بما يأخذ، وكان أجود الناس بالخير، يمينه كالريح المرسلة" (1).

يا أيّها الصُّوَّام الكرام:

جودوا يُبارَك لكم، وأنفقوا يُنفَق عليكم، ولا تَضِنّوا بمال الله الذي آتاكم، فما قدّمتُم من خيرٍ فلأنفسكم، وما بخلتُم فعليها، وسوف يأتي عليكم يومٌ يودّ أحدكم لو يجد شقّ تمرة لينفقها في سبيل الله (فاتّقوا النار ولو بشقّ تمرة) (2).

{قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنفِقُوا مِمَّا

رَزَقْنَاهُمْ سِراًّ وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلالٌ}

[إبراهيم: 31].

يا أيها الصائمون:

ما تقولون في رجل آتاه اللهُ من صنوف المال عجباً، وهَبه صحّةً في الجسم، ورغداً في العيش، وسعة في المال، جعل اللهُ له مالاً ممدوداً، وبنين شهوداً، ثم هو مقارف السيئات، ومقصّر في الحسنات، وشحيح بالمال والصدقات.

يظنّ أن بذل المال في وجوهه المشروعة إنقاص وغمّ وبلاء، أمّا علم هذا وأمثاله أن الصدقة والسخاء نماء وانشراح، وضياء وبرهان، أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما نقصت صدقةٌ من مال) (3)، وفي سنن الترمذي وقال حديث حسن صحيح وأخرجه ابن ماجة عن عمر بن سعد الأنماري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ثلاثة أقسم عليهنّ وأحدّثكم حديثاً فاحفظوه: ما نقص مالُ عبدٍ مِن صدقة، ولا ظُلِم عبدٌ مظلمة صبر عليها إلا زاده الله عزاً، ولا فتحَ عبدٌ باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر، أو كلمة نحوها) (4).

في هذا الشهر تتأكد الصدقة والمواساة بإطعام الجائعين وتفطير الصائمين وإعانة المساكين، ففي صحيح البخاري وشرح السنّة للبغوي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أطعِموا الجائع وعودوا المريض وفُكّوا العاني) (5).

(1) زاد المعاد (2/ 22).

(2) البخاري (6174)، ومسلم (1016) من حديث عديّ بن حاتم.

(3) مسلم (2588).

(4) الترمذي (2325)، وابن ماجة (4228).

(5) البخاري (5373)، والبغوي (1407).

طلائع السلوان في مواعظ رمضان · الصفحة ٤٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

طلائع السلوان في مواعظ رمضانص ٤٨