تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا القنوت الذي يكون في الوتر يُلحَظ عناية الناس به في رمضان أكثر من عنايتهم بكتاب الله، ولذا نرى كثيراً من أئمّة المساجد يعدّون الأدعية له إعداداً مُحكماً ويحرصون ويجمعون ويخبئون ويحسنّون ويجمّلون حتى لكأنّ التراويح كانت لأجله، أو أنه هو أساسها وعمادها، ومتى لم يحصل ويتم ضعفت ونقصت، والله المستعانّ!

ونُصحاً للأمّة ونشراً للسنّة وتصحيحاً للطريقة نعرض هذه الكلمات حول القنوت:

أولاً: يُلحظ على قنوت الوتر في هذه الأزمان عدة مخالفات ومؤاخذات وقع فيها كثير من الأئمة والقرّاء في شتّى مساجد المسلمين إلا مَن رحم الله، وفعالهم تلك إما أن تكون تقليداً لكبارهم ومَن سبقهم، أو جهلاً بالطريقة الصحيحة، ومن المؤسف أنه قد انجرفَ في تلك المخالفات بعض أئمّة المساجد الكبيرة، التي هي محلّ نظر الناس وبعض مَن يؤمَّل فيهم اقتفاء السنن ونبذ المخالفات، ولزوم الطريقة المُثلى الرشيدة، فمما يُلحظ على قنوتنا الآتي:

1 - تطويل القنوت ومَدُّ إلى وقت طويل، وسَرْد كل ما في النفس من أدعية وابتهالات وهذا غالباً على حساب قيام الليل، فتجد كثيرين يقصّر التراويح ويتجوّز فيها، فإذا ما أتى دعاء القنوت بلغ الغاية القصوى في تطويله وتحسينه وتكميله، وربما كان في ذلك إتعاباً لبعض المصلين وإضجاراً لهم، وقد يحمل في تطويله أدعية مفصلة أو مسجوعة لا طائل من ورائها، وكان بإمكانه أن يختصر الطريق ويلزم الهدى الصحيح ويأتي بالجوامع من الدعاء في كلمات قلائل حسنات مباركات، قالت عائشة رضي الله عنها كما عند أبي داود بسند صحيح: كان النبي صلى الله عليه وسلم يَستحب الجوامع من الدعاء".

ولما سألته عن ليلة القدر إن هي علمَتْها ما تقول؟ لم يسقُ لها صفحات ولم ينصحها بتفصيلات وتقطيعات، بل هداها إلى جملة واحدة فقط هي: (اللهمّ إنّك عفوٌّ تحب العفو فاعفُ عنّي) واعلم أن هذه الكلمة اكتفى بها ودلّها عليها في أعظم الليالي وأفضلها وأجلّها، فأين أولئك الأئمّة الفُضلاَء الذين يحسبون الناس نصف الساعة وزيادة في قنوتهم ويقصّرون قيام الليل حتى لّيبين لك بجلاء، فضل القنوت على ركعات القيام، أين هم من هذا الهدي النبوي الحكيم السديد؟! والله الموفق.

2 - الْتماس الأسجاع السامجة والتفصيلات المملّة في دعاء القنوت وهذا ـ بلا شك ـ تكلُّف واعتداء، قال تعالى: وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: 55] وفي صحيح البخاري عن عكرمة عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنه قال له: (فانظر السجع في الدعاء فاجتنبه فإنّي عهِدتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب) (1).

وأما التفصيل الذي لا حاجة له فكقول بعضهم: اللهم إني أسألك الجنّة وقصورها وحورها ونعوذ بك من النار وعذابها وسلاسلها وزقّومها وطعامها وشرابها. أو نحو ذلك وهذه الأدعية وأشباهها في السنة الصحيحة ما يردها ويبطلها، فقد ثبت في سنن أبي دواود وفي مسند أحمد بسند صحيح عن عبد الله بن مغفل أنه سمع ابنه يدعو: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها. فقال: أي بنيّ سَلِ اللهَ الجنة وتعوّذ به من النار فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنه سيكون في هذه الأمّة قومٌ يعتدون في الطّهور والدعاء) (2).

3 - إهمال الأدعية المأثورة الصحيحة، والتعلق بأدعية مُحدثة مُخترعة قد يكون في بعضها محاسن إلا أننا نقول: لماذا الإعراض والعدول عن الثابت الصحيح والتمسّك بشيء مُحدث؟! وغيره أولى وأحسن منه، فكُتبُ الحديث ـ بحمد الله ـ مستفيضة بالأدعية الحسان والكلمات النافعات التي تشع نوراً وخيراً وبركةً وهداية، وهي جامعة لخيري الدنيا والآخرة، وحقاً إنه ما من دعوة يضيفها هؤلاء غالباً في جلب خير ومنفعة أو دفع شر ومضرّة، إلا وفي السنّة النبوية ما يغني عنها ويكفي ويشفي، فتأمّل ذلك.

4 - رفع الصوت حال الدعاء إلى درجة تخرجُه عن حد الاعتدال والتوسط، وقد يصاحب ذلك عويلاً وصراخاً وبكاءً، ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ـ رضي الله عنه ـ قال: قال صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس إربعوا

على أنفسكم فإنكم لا تدعو أصم ولا غائباً ولكن تدعون سميعاً قريباً) (3)، وفيهما أيضاً عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها قالت في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: 110]، أنها نزلت في الدعاء (4).

والمطلوب الاعتدال في الدعاء في رفع الصوت بحيث يسمع مَن خلفه بلا مبالغة وزيادة، وكذا عدم رفع مكبرات الصوت التي قد تشوش على بعض المساجد القريبة والمنازل كذلك.

(1) البخاري (9337).

(2) مسند أحمد (4/ 86)، وأبو داود (96).

(3) البخاري (4205) ومسلم (2704).

(4) البخاري (4723)، ومسلم (447) وانظر فتح الباري (8/ 405 - 406).

طلائع السلوان في مواعظ رمضان · الصفحة ١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

طلائع السلوان في مواعظ رمضانص ١٢