حقائقها؟ الجواب لا، إذاً كيف يفرون من حقيقة لا يعرفونها ويحاربونها وهم لم يتصوروها أصلاً؟ هذا والله هو الذي لا ينتفض منه عجبي، لكن يزول الإشكال إذا علمت انهم لا يفهمون من هذه الآيات إلا ما يفهمونه من صفات البشر، فلا يفهمون من العين إلا أنها كأعيننا ولا يفهمون من الوجه إلا أنه كوجوهنا ولا يفهمون من الاستواء إلا أنه كاستوائنا وهكذا، فلما قامت هذه المفاهيم في رؤوسهم أرادوا أن يفروا منها ظناً منهم أن هذه المفاهيم الباطلة هي المراد من هذه الآيات فترقوا بذلك ولله الحمد من الجهل البسيط إلى الجهل المركب، فجمعوا جهلاً على جهل وغباء على غباء وحمقاً على حمق، وبناءً عليه فإذا سمعت مبتدعاً يقول: لا يمكن أبداً أن يوصف الله بأن له وجهاً، فاسأله أولاً: ماذا تعني بالوجه؟ فإنه وإن خادع وزخرف القول فسينتهي به الأمر إلى الاعتراف بأنه لا يفهم من صفة الوجه إلا الوجه المعهود في المخلوق، وحينئذٍ فبين له الآيات التي فيها قطع دابر المماثلة بين الخالق والمخلوق، فإن أذعن ورجع فالحمد لله وإلا فهو شيطان في مسلاخ إنسان وحمار في بدن آدمي والله يعصمنا وإياك من زلل القول ونعوذ به من مناهج أهل الأهواء والله أعلم.
وخلاصة هذا الفصل أن تعلم أنه لا يجوز الانتقال من حقيقة الكلام إلى مجازه إلا إذا دلت القرينة على ذلك بشرط أن تكون الحقيقة معلومة لك أولاً وأما إذا كانت من عالم الغيب الذي أستأثر الله تعلمه فالواجب عليك أن تبقى على الحقيقة. والله أعلى وأعلم.