الشرط الثاني : البلوغ : وضده الصغر ، فاتفق العلماء جميعاً على أن الصغير غير المميز ليس بمكلفٍ بفعل المأمور ولا بترك المحظور ، واستدلوا على ذلك بالحديث السابق وفيه (( وعن الصغير حتى يحتلم )) واختلف العلماء في الصبي المميز على أقوال : أولها : أنه مكلف . ثانيها : أنه غير مكلف . ثالثها : أنه مكلف بالنواهي دون الأوامر . والصواب أنه ليس بمكلفٍ مطلقاً حتى يبلغ وذلك لصراحة الحديث في تقييد رفع القلم عن الصغير إلى البلوغ ولأن تعليق التكليف على التمييز تعليق للأحكام الشرعية على ما هو مختفٍ متفاوت لا يعرف أوله ومن ربطه بالسبع سنين فإنما ربطه للخروج من خفاء ابتدائه فقال : نحده بالسن ليكون أوضح لكن هذا لا يصح لوقوع التمييز عند بعض الصغار قبل السبع وبعضهم لا يميزون إلا بعد السبع ، وذلك لأن التمييز كنور الفجر يبدو أوله ولا يكاد يرى ثم يزداد ازدياداً خفياً لا تعرف درجاته حتى تسفر الدنيا فكذلك التمييز ، وتكليف الأولياء بمراقبة أول التمييز تكليف بما لا يطاق فوضع الشارع علامة جلية على أول التكليف وهي البلوغ ، فإذا وجدت علامة من علامات البلوغ المعروفة دخل الإنسان في حيز التكليف .
وأما وجوب الزكاة وضمان المتلفات في مال الصبي والمجنون فإن هذا ليس من باب التكليف وإنما من باب ربط الأحكام بأسبابها تحقيقاً للعدل بين المخلوقين ، وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - ((مروهم بالصلاة)) فهذا يخرج على أمرين : الأول : أنه أمر للأولياء لا الصغار ، والأمر بالأمر بالشيء ليس أمراً به على الصحيح من خلاف أهل الأصول ، الثاني : سلمنا أنه أمر للصغار بالصلاة ولكنه أمر استحباب ليتعودوا عليها ويعرفوا صفتها وأحكامها وآدابها لا أنه أمر وجوب والصارف له هو حديث (( رفع القلم عن ثلاثة )) والجمع بين الأدلة هو الواجب إن أمكن ، فإن قلت فهل أمر الاستحباب يعاقب عليه ؟