ومن الأدلة أيضاً : أن يقال لمن يقول إن الأمر على التراخي ، هل التراخي هذا إلى غاية معينة أو لا غاية له ؟ ولا يمكن أن يكون التأخير إلى غاية مجهولة لأنه يؤدي إلى تفويت الواجب بالكلية ، وأما إن قالوا إنه يجوز تأخيره إلى غاية ، قلنا : هل هذه الغاية معلومة للمكلف أو مجهولة ؟ ولا يمكن أن تكون مجهولة لأن الأحكام الشرعية لا تناط بغاياتٍ مجهولة ، وإذا كانت معلومة للمكلف ، فنقول : متى هي ؟ وما الدليل على تحديدها واعتبارها غاية لتأخير الواجب ؟ كل ذلك مما لا جواب عليه عندهم ، إلا أن يقولوا : يجوز تأخير الواجب مع العلم بسلامة العاقبة ، فإن قالوا ذلك ، فقل : ومن الذي يعلم عاقبته ، فإن العواقب من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى ، وقد أخبر الله تعالى باقتراب الأجل في قوله : ﴿ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ﴾ فهذا تحديد بغايةٍ لا يعلمها المكلف فهي غاية مجهولة والحكم الشرعي لا يعلق بغاية مجهولة ، بقي أن يقال : إن الأمر يفيد الفور ولا يجوز تأخيره إلا لعذرٍ فإذا قلت ذلك لم يلزم عليك أي لازمٍ مما مضى ، واستقام قولك ، وما ورود اللوازم السابقة على القائلين بالتراخي إلا أكبر دليلٍ على فساد قولهم – رحم الله الجميع رحمة واسعة – ثم يقال أيضاً : إن المكلف إذا امتثل الأمر عقيب صدوره فإنه يكون ممتثلاً له بالإجماع أي عند القائلين بأنه على الفور والتراخي ، وأما إذا أخره ثم أتى به فإنه يكون ممتثلاً عند بعضهم فقط ومخالفاً له عند الباقي والعاقل الأريب يحرص على فعل المتفق عليه ، لأن فعل ما اتفق عليه العلماء أولى من فعل ما انفرد به أحدهم ما أمكن ولأنه حينئذٍ يكون ممتثلاً للأمر بيقين ، وأما إن أخره فإنه يشك في صحة امتثاله وفعل المتيقن أولى من فعل المشكوك فيه ، وبهذا يتضح لك إن شاء الله تعالى أن القول الراجح هو القول بأن الأمر المطلق عن القرينة يفيد الفور .
تحرير القواعد ومجمع الفرائد · الصفحة ٥٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تحرير القواعد ومجمع الفرائدص ٥٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي