من الأمثلة : قوله تعالى ﴿ فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ﴾ فنحن نفهم من هذا بمنطوقه تحريم هذه الكلمة أعني ﴿أُفٍّ﴾ فالدليل هنا لم ينطق إلا بحكم الأف وحكم عليها بالتحريم ، إذاً المنطوق هنا وهو﴿أُفٍّ﴾ حكمه التحريم لكن الدليل سكت عن حكم سب الوالدين ولعنهما وضربهما ، ورفع الصوت عليهما ، كل ذلك سكت عنه الدليل فما حكم هذه الأشياء ؟ بلا شك كأني بك تقول : إذا حرمت الشريعة كلمة ﴿أُفٍّ﴾ فما بالك بهذه الأشياء فلا شك أنها حرام ، بل هي أولى بالحرمة ، فإذا كانت الأف حراماً فمن باب أولى أن يكون الضرب واللعن والإهانة ورفع الصوت حراماً وأشد حرمة ، وهذا هو الصحيح ، بل لا أظن أحداً ينازع فيه إلا من جمد على الظاهر وعطل العلل والأقيسة الصحيحة ، فانظر إلى هذه الأشياء التي سكت عنها الدليل من الضرب والإهانة ورفع الصوت واللعن ونحوها كل هذه سكت عنها الدليل ، لكنها حرام ، والمنطوق به الذي هو (الأف) أيضاً حرام ، فصار حكم المنطوق به وحكم المسكوت عنه واحداً وهو التحريم إذ فيه موافقة في الحكم فهذا هو مفهوم الموافقة أي أن يكون حكم المسكوت عنه والمنطوق به واحداً كما هنا ، لكن لو سألتك أيهما أولى بالتحريم المنطوق الذي هو (الأف) أم المسكوت عنه الذي هو الضرب ونحوه ؟ لاشك أنه المسكوت عنه ، فهو أولى بالتحريم ، إذاً هذا هو مفهوم موافقة أولوي ، أي أن المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق ، فإذا سألك رجل وقال لك : ما الدليل على تحريم ضرب الوالدين ورفع الصوت عليهما ؟ فقل له : الدليل هو مفهوم الموافقة الأولوي في قوله تعالى ﴿ فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ﴾ إذاً صار مفهوم الموافقة حجة أي إذا كانت (الأف) حراماً فما فوقها أشد تحريماً منها .
تحرير القواعد ومجمع الفرائد · الصفحة ٢٥٩
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تحرير القواعد ومجمع الفرائدص ٢٥٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي