تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الجواب : هذا الفعل لا يحكم له بأنه سنة لأنه ليس فعلاً مجرداً ، والأفعال التي قلنا إنها للندب هي الأفعال المجردة عن أمر أو نهي ، لكن هذا الفعل يدخل تحت قاعدة أخرى وهي : " أن الفعل إذا خالف النهي الصريح فإنه لبيان الجواز " أي لبيان أن النهي ليس على بابه الذي هو التحريم ، وإنما هو للكراهة فيكون هذا الفعل صارفاً للنهي عن حقيقته إلى الكراهة ، وهذا أولى من قول بعضهم : إن الفعل يكون في هذه الحالة خاصاً به ، والنهي لأمته ، ويعبرون عنه بقولهم : الفعل الخاص به لا يعارض النهي العام للأمة ، ولكن الواجب أن لا يجعل الفعل معارضاً للنهي إذا أمكن الجمع ، وذلك ممكن بجعل الفعل صارفاً للنهي من الحرمة إلى الكراهة ، لكن بشرط : وهو أن يكون الفعل المخالف للنهي قصد إظهاره ، لأنه حينئذٍ يراد به التشريع ، أما الفعل الذي لم يظهره - صلى الله عليه وسلم - لمن يحصل بهم البلاغ فلا يجعل معارضاً للنهي بل يكون خاصاً به ، ومن باب التوضيح نذكر شيئاً من الفروع على ذلك فأقول :

منها : ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن البول واقفاً في أحاديث كثيرة ، وثبت عنه أيضاً أنه خالف ذلك وبال مرةً قائماً كما في حديث حذيفة عند الشيخين ، وفعله - صلى الله عليه وسلم - بمحضرٍ من حذيفة بل لما ابتعد حذيفة أمره أن يقترب حتى قام عند عقبه حتى فرغ ، أي أنه قصد إظهار هذا الفعل ، فعلى قاعدتنا هذه يكون هذا الفعل صارفاً للنهي عن بابه إلى الكراهة ، فالبول قائماً صرف من التحريم إلى الكراهة ، لأن هذا الفعل لبيان الجواز ، فيجوز البول قائماً بشرطه لكن مع الكراهة ، هذا أولى من أن نعلل فعله هذا بعللٍ لا دليل عليها من أنه كان للاستشفاء أو لجرح في مئبضه أو لأنه كان في سباطةٍ قومٍ مرتفعة ، بل الأصوب أن يقال إنه فعله لبيان الجواز ، وأما إنكار عائشة رضي الله عنها فلعدم علمها بما رأى حذيفة ، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ .

تحرير القواعد ومجمع الفرائد · الصفحة ١٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تحرير القواعد ومجمع الفرائدص ١٢٣