فأقول : قد بحثت في غالب كتب أهل الأصول فلم أجد ضابطاً إلا وهو مدخول ، وقد لبثت سنين في البحث عن هذا الضابط وأكثرت السؤال عنه فلم يشف ذلك ما في صدري ، وما زلت في البحث والتحقيق حتى تسطير هذا الكتاب ، فلما رأيت الأمر كذلك رأيت لزاماً علي أن أذكر لك ما ذكره الأصوليون من الفروق والضوابط في التفريق بين هذه الأفعال إلى تيسر بحث آخر إن شاء الله تعالى .
فأقول : اعلم رحمك الله تعالى أن التفريق بين هذه الأفعال من أهم المطالب ، وذلك لأن عدم التفريق بينها موجب للاختلاف في التأسي بها من عدمه ، بل غالب خلاف العلماء في أفعاله إنما منشؤها من عدم التفريق بينها ، ولذلك حرص العلماء على محاولة التفريق بينها . فقالوا : إن الأشياء الضرورية التي لابد لكل أحدٍ منها هي من الأفعال الجبلية فلا يتأسى به بها ، وذلك كالأكل والشرب والنوم والتخلي والقيام والقعود ونحوها ، لأن هذه الأفعال إنما فعلها من باب الضرورة واقتضاء الجبلة ، وكذلك الأفعال التي هي من عادة قومه لا تشريع فيها ، كاللباس والشعر – على ما مثل به بعضهم – وكذلك الأفعال التي فعلت من باب الموافقة من غير قصدٍ لا تشريع فيها كاختيار مكان التخلي ومكان الصلاة في السفر ، فذلك لم يحصل قصداً وإنما حصل موافقةً ، ولذلك أنكر الصحابة على ابن عمر شدة تتبعه لآثار هذه الأمكنة ، وقطع عمر شجرة رأى الناس يبتدرونها يصلون عندها بحجة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى عندها ، وقال : " أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد " ، فهذه الأقسام الثلاثة السابقة كلها تدخل تحت فعله الجبلي والطبعي ، فلا يؤخذ منها تشريع ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يفعلها بقصد القربة وإنما فعلها ضرورة أو جبلةً أو مسايرة لعادة قومه أو من باب الموافقة .