فلا يأتي الداعية فيزكي نفسه ، ويقول : أنا آمركم دائماً وتعصونني ! وأنهاكم ولا تمتثلوا نهيي ! وأنا دائماً ألاحظ عليكم .. وأنا دائماً أرى ، وأنا دائماً أقول ، أو أنا دائماً أُحدث نفسي إلى متى تعصي هذه الأمة ربها ؟!
فيخرج نفسه من اللوم والعقاب ، وكأنه بريء !! فهذا خطأ . بل بل يجعل الذنب واحداً ، والتقصير واحداً ، فيقول لهم : وقعنا كلنا في هذه المسألة ، وأخطأنا كلنا ، فما نحن إلا أسرة واحدة ، فربما يكون من الجالسين من هو أزكى من الداعية ، ومن هو أحب إلى الله ، وأقرب إليه منه !
9- عدم الإحباط من كثرة الفساد والمفسدين :
فينبغي ألا يصاب الداعية بالإحباط ، وألا يصاب بخيبة أمل ، وهو يرى الألوف المألفة تتجه إلى اللهو ، وإلى اللغو ، والقلة القليلة تتجه إلى الدروس والمحاضرات ، فهذه سنة الله في خلقه ( وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ) الأحزاب
فإن الله ذكر في محكم تنزيله أن أهل المعصية أكثر ، وأن الضلال أكثر وأن المفسدين في الأرض أكثر ، فقال : ((وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ )) سبأ .. وقال : ((وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ )) الأنعام .. وقال سبحانه وتعالى : ((وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ )) يوسف . وقال : ((أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ )) يونس .. وقال : ((لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ)) الغاشية .. (( لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ )) الأنعام .. (( إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ)) الشورى .. فنحن لا نملك سوطاً ولا عصى ، ولا عذاباً ولا حساباً ، إنما نملك حبّا ودعوة وبسمة ونقود الناس بها إلى جنة عرضها السماوات والأرض ، فإن أجابوا حمدنا الله ، وإن لم يستجيبوا ورفضوا أوكلنا أمرهم لله الذي يحاسبهم – سبحانه وتعالى .
قال بعض العلماء : ( الكفار في الأرض أكثر من المسلمين ، وأهل البدعة أكثر من أهل ألسنه ، والمخلصون من أهل ألسنه أقل من غير المخلصين )!
ومن صفات الداعية أيضاً أنه يعيش واقع الناس ويقرأ حياتهم ويتعرف على أخبارهم ، وقال – سبحانه وتعالى – لرسوله صلى الله عليه وسلم : (( وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ )) الأنعام ..
ومن حكمة الله - سبحانه وتعالى – أنه أحيا رسوله أربعين سنة في مكة ، عاش في شعاب مكة ، وفي أودية مكة ، عرف مساربها ومداخلها ، عرف الأطروحات التي وقعت في مكة ، وعرف بيوت أهل مكة ، واعترض الكفار . وقالوا : (( لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ )) الأنعام .. فالله – سبحانه وتعالى – ذكر أنه لا بد أن يكون بشراً ، يعيش آمال الناس ، ويعيش هموم الناس و مشاكلهم ، ويعرف احتياجاتهم .
فحق على الداعية أن يقرأ واقعة ، ويستفيد من مجتمعه ، وأن يعرف ماذا يدور في البلد ؟ وماذا يقال ؟ وما هي القضايا المطروحة ؟ ويتعرف حتى على الباعة ، وعلى أصناف التجار ، وعلى الفلاحين ، وعلى طبقات الناس ، وأن يلوح بطرفه في الأماكن ، وفي مجامع الناس ، وفي الأسواق وفي المحلات ، وفي الجامعات ، وفي الأندية ، حتى يكون صاحب خلفية قوية ، ويتكلم عن واقع يعرفه .
لذا جعل أهل العلم من لوازم الداعية إذا أتى إلى بلد أن يقرأ تاريخ هذا البلد ، وكان بعض العلماء إذا سافروا إلى الخارج يأخذون مذكرات عن البلد ، وعن تاريخه ، وعن جغرافيته ، وعن متنزهاته ، ويتعرفون على طبيعة أهله ، وكيف يعيشون وماذا يحبون ، وماذا يكرهون ؟! ويتعرفون على كيفية التربية في هذا البلد .. حتى يتكلمون عن بصيرة .
10 – عدم المزايدة على كتاب الله :
فإن بعض الوعّاظ والدعاة يحملهم الإشفاق والغيرة على الدين على أن يزيدوا عليه ما ليس فيه ، فتجدهم إذا تكلموا عن معصية جعلوا عقابها أكثر مما جعله الله – عز وجل – حتى إن من يريد أن ينهى عن الدخان وعن شربه يقول مثلاً : ( يا عباد الله ، إن من شرب الدخان حرَّم الله عليه دخول الجنة ، وكان جزاؤه جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً ) !!
هذا خطأ ، لأن هناك موازين في الشريعة .. هناك شرك يخرج من الملة . وهناك كبائر ، وهناك صغائر ، وهناك مباحات . قد جعل الله لكل شيء قدراً .
فوضع الندى في موضع السيف بالعلا
مضر كوضع السيف في موضع الندى