جاء في هذه العبارة على خلاف ذَلِكَ، وكذلك جاءت العبارة هكذا في النسخ التي اطلعت عليها من نسخ الورقات.
ولكن أقول لعل الراجح ما ذكرت؛ ولهذا ذكر المصنف هذا الكلام وصوَّبَهُ في كتابه البرهان، فقال: (بناءً على هذا التعريف لا يكون إتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - تقليداً) , وعلل ذَلِكَ بقوله: لأن إتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - حينئذ هو الحجة؛ فلا يكون إتباعه إتباع قول بلا حجة أي إذا قلنا إن التقليد هو قبول قول القائل بلا حجة لا يكون إتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - تقليداً؛ لأن إتباع النبي هو الحجة، فكيف نقول: هو إتباع بلا حجة، فهذا هو الصواب. ولعل السقط في حرف "لا" هو الذي ألبس علينا، وعلى الشُّرْاح أيضاً الذين شرحوه؛ لأنهم ما استطاعوا أن يجدوا تعليلاً مقبولاً، ليجعل أن إتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - يسمى تقليداً بناءً على هذا التعريف (1).
قوله: (قبول قول القائل) أي العالم , (وأنت لا تدري من أين قاله)، أي أنت لا تعرف حجته، وإن كان قوله مستنداً إلى حجة؛ فما من عالم مجتهدٍ يقول قولا إلا وله حجة، ولكنك لا تعرفها , وهذا هو التعريف الثاني.
والتقليد بهذا المعنى هو الذي أراده جماهير العلماء من أصوليين وفقهاء وغيرهم؛ ولذلك قَالُوا: بجوازه، وأحيانا قَالُوا: بوجوبه على العامي؛ لأن العامي لا مناص له، إما أن يترك العمل وإما أن يقلد، أما الاجتهاد والنظر بنفسه فهو عاجز عنه , وهذا هو التعريف المختار.
* بعض العلماء يقول: لو عرف أحد الحجة إجمالاً يبقى أيضاً في مرتبة التقليد , ولا ينتقل إلى مرتبة الاجتهاد إلا إذا عَرِفَ الدليل و عَرِفَ أن هذا الدليل راجح؛ ولهذا يسمون المتعلمين وصغار طلاب العلم مُقَلِّدة، ويطلقونه على أتباع المذاهب أيضاً؛ لأنهم وإن عرفوا الدليل لا يعرفون رجحانه ولا يعرفون أنه أقوى من غيره ولا يستطيعون الدفاع عن هذا القول.
قال المصنف بعد هذا بناءً على هذا التعريف الأخير: (فإن قلنا إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول بالقياس؛ فيجوز أن يسمى قبول قوله تقليد) أي إن قلنا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يجوز له أن يجتهد ويعمل بالقياس؛ فيصح أن نقول لمن اتبعه أنه قلده؛ وذلك لاحتمال أن يكون إتباعه للرسول , في هذا القياس, أي فيما رآه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالاجتهاد لا فيما أوحي إليه، وأما إن قلنا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يجتهد , وإنما كل ما يقوله هو وحي من الله فلا يجوز أن نقول: إن إتباع الرسول يسمى تقليداً.
وأثار المصنف هذه المسألة؛ لأنه نُقل عن الشافعي أنه قال: «ولا أجيز إلا تقليد الرسول - صلى الله عليه وسلم -» أو عبارة نحوها، فسمى الشافعي إتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - تقليداً.
لكن الظاهر أن الشافعي سماه تقليداً من باب المعنى اللغوي، والمعنى اللغوي أوسع من المعنى الاصطلاحي , فالمعنى الاصطلاحي يخص إتباع عالم في مسألة شرعية مع عدم العلم بحجته ودليله.
وهذه المسألة لا يتعلق بها كبير فائدة، ولكن لأجل أن الأصوليين من الشافعية اعتنوا بها وتكلموا عنها ذكرها المصنف.
والجمهور على أن إتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يسمى تقليداً، سواءً عرفناه بالتعريف الأول أو بالتعريف الثاني , فلو عرفناه بالتعريف الأول , فالأمر واضح؛ لأن إتباع الرسول هو الحجة، وإن عرفناه بالثاني وقلنا: إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يجتهد , فمن قال أنه يجتهد ويعمل باجتهاده، يقول: إن الله - عز وجل - لا يقره على الخطأ، بل لو وقع في خطأ صَوَّبه في الحال.
أحكام المجتهدين:
قال المصنف: (وأما الاجتهاد فهو بذل الوسع في بلوغ الغرض، فالمجتهد إن كان كامل الآلة في الاجتهاد في الفروع، فأصاب فله أجران وإن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد.
ومنهم من قال: كل مجتهد في الفروع مصيب , ولا يجوز كل مجتهد في الأصول الكلامية مصيب؛ لأن ذلك يؤدي إلى تصويب أهل الضلالة والمجوس والكفار والملحدين , ودليل من قال
(1) الظاهر أن من أطلق عليه تقليداً قصد المجاز والتوسع، قال الآمدي: (وإن سمي ذلك تقليداً بعرف الاستعمال فلا مشاحة في اللفظ).