وَمِنْ شَرْطِ الْحُكْمِ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ الْعِلَّةِ فِي النَّفْي وَالإِثْبَاتِ , وَالْعِلَّةُ هِيَ الْجَالِبَةُ لِلْحُكْمِ، وَالْحُكْمُ هُوَ الْمَجْلُوبُ لِلْعِلَّةِ).
انتقل المصنف إلى شروط القياس وآثر أن يذكر بعض هذه الشروط بدليل قوله: (ومن شرط الفرع , ومن شرط الأصل وهكذا) و (من) للتبعيض , فذكر لكل ركن من أركان القياس شرطا واحداً، فقال: (من شرط الفرع أن يكون مناسباً للأصل) والمناسبة هنا المقصود بها: الموائمة أو المشابهة.
قوله: (من شرط الأصل أن يكون ثابتا بدليل متفق عليه بين الخصمين) أي لابد أن يكون المقيس عليه ثابتاً بدليل اتفق الخصمان عليه، فأما كونه ثابتاً بالدليل فهذا لا خلاف فيه، وأما شرط الاتفاق بين الخصمين فهذا الشرط هو رأي المصنف وبعض العلماء وليس متفقاً عليه.
وذهب بعض العلماء إلى أنه إذا ثبت الأصل بدليل لا يضر مخالفة من خالف، كما لو ثبت عندنا نجاسة سؤر الكلب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بغسل الإناء من ولوغه سبعاً؛ فلنا أن نقيس على الكلب الخنزير , فلو خالف الإمام مالك، وقال: أنا لا أوافق على أن سؤر الكلب نجس، فلا يضرنا خلافه؛ لأنه ورد فيه نص.
والراجح في هذا: أن الشرط الذي ذكره هنا مقبول إذا كان في حكم المناظرة بين خصمين وأما من باب الاستدلال للمجتهد فله أن يستدل ولو كان الخصمان مختلفين في الحكم.
وقوله: (ومن شرط العلة أن تطرد في معلولاته) المقصود باطّرَاد العلة؟ أن يوجد الحكم كلما وجدت العلة.
وعكس الاطّرَاد (النقض) أي تُنتقض العلة، وانتقاض العلة هو أن توجد العلة ولا يوجد الحكم.
مثال العلة المطردة: عندما تكون علة القصاص مثلاً القتل عمداً عدواناً , فهذه الصفات إذا وُجدت وُجد القصاص أي (كلما وجد القتل عمداً عدواناً حكم بالقصاص) , فهذه علة مطَّرِدة.
مثال العلة المنتقضة: لو عللنا القصاص بالقتل فقط من غير أن نصفه بكونه عمداً؛ فإن هذه العلة منتقضة؛ وذلك لأن القتل يحصل من صاحب الحق فلا يوجب قصاصاً , كما يحصل للصائل المعتدي ولا يجب القصاص، أو يحصل للمعتدين لدفعهم سواءً كانوا مسلمين أو غير مسلمين ولا يجب القصاص.
فلا يصح القول بأن القتل هو علة القصاص؛ لأن العلة هنا ستكون منتقضة، بمعنى أنه وُجد القتل ولم يوجد القصاص، أو ولم يُحكم بالقصاص.
قوله: (ومن شرط الحكم أن يكون مثل العلة في النفي والإثبات)، أي أن العلة لابد أن تكون مشابهة للحكم في النفي وفي الإثبات، فإن كانت منفية فالحكم يكون منفياً , وإن كانت مثبتة فالحكم يكون مثبتاً , أو بعبارة أخرى (أن يكون الحكم مثل العلة في الوجود والعدم)، فحينما تكون العلة عدمية يمكن أن يكون الحكم عَدَمِيْاً , وحينما تكون العلة وجودية يكون الحكم وجودياً.
* معنى عدمي: أي مسبوق بالنفي.
فمعنى ذلك أنه إذا وُجد في الفرع وصفاً معيناً؛ فبالتالي يوجد فيه حكم معين، وإذا انعدم فيه هذا الوصف؛ ينعدم فيه ذلك الحكم.
مثال ذلك: كقولنا: العقد ليس بصحيح فلا تترتب عليه آثاره، فقولنا: ليس بصحيح , هذا تعليل عدمي , وقولنا: في الحكم لا تترتب عليه آثاره، هذا حكم عدمي , فرتبنا العدم على العدم.
وحينما نقول: هذا عقد مكتمل الشروط والأركان فتترتب عليه آثاره، فالعلة وجودية والحكم وجودي , كالسرقة من الحرز علة للقطع، فالقطع حكم وجودي، والسرقة وصف وجودي، هذا تعليل موجود بموجود.
* قد نعلل العدم بالوجود , كما إذا وجد المانع فانعدم الحكم , وصورته في الإرث , فإذا وُجد الرِّق أو القتل، انعدم الإرث.