وروى مسلم عن عمر أنه قال وهو جالس على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الله قد بعث محمدا - صلى الله عليه وسلم - بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل عليه آية الرجم قرأناها ووعيناها وعقلناها فرجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف.
والحكمة في هذا النسخ: أن هذه الأمة مُتَّبِعة لنبيها - صلى الله عليه وسلم - ومقتدية به، حتى فيما لم يكن مسطوراً في القرآن، حتى فيما كان مسطوراً ثم رُفع لفظه، على عكس اليهود الذين كان في التوراة عندهم الرجم وأنكروه.
(2) نسخ الحكم وبقاء الرسم (التلاوة): هذا الأغلب , كما في آيتي المصابرة , فكان الواجب لما نزل القرآن أولاً , أن يصبر المسلم أمام العشرة لقوله تعالى: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ ثم نسخ ذلك وخُفِّف بقوله تعالى بعدها: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفا﴾ فرفع الحكم وبقيت التلاوة.
(3) نسخ الحكم والرسم (التلاوة): وهذا لم يذكره المصنف؛ لأن الفقيه ليس بحاجة إلى هذا القسم.
لكن من عادة الأصوليون أنهم يذكرون هذا القسم ويُدَلِّلُوا عليه ببعض الأحاديث كما جاء عن عائشة أنها قالت: (كان فيما أنزل الله من القرآن عشر رضعات معلومات يحرِّمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهن فيما يُقرأ من القرآن) فالتحريم بالعشر رضعات نسخ لفظاً وحكماً , أما الخمس فمنسوخة اللفظ دون الحكم.
أيضاً النسخ ينقسم من حيث البدل , أي وجود البدل وعدم وجوده.
* هناك من العلماء من قال: «لا يوجد نسخ من غير بدل؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَاتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَ﴾ فلا يوجد شيء نُسخ من غير أن يكون له بدل.
والحقيقة أن قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَاتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَ﴾ لا يدل على أنه يلزم وجود حكم تكليفي عِوضاً عن الحكم المنسوخ، بل قد يكون الحكم البديل هو الإباحة أو الإعفاء من الوجوب فهذا في حد ذاته يكون بديلا عن الحكم الأول , وخيراً منه.
أقسام النسخ باعتبار وجود البدل وعدمه:
(1) النسخ إلى بدل: وهذا القسم أمثلته كثيرة كآية المصابرة السابقة، ونسخ العشر رضعات بخمس، فنسخت من عشر إلى خمس، كذلك نسخ التخيير في الصيام أو الإطعام في رمضان، بوجوب الصيام , كما ثبت ذلك في الصحيح ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ وهذا دليل على أنهم كانوا مخيرين، من شاء منهم صام رمضان ومن شاء منهم أفطر وأطعم، ولكن لما نَزَلَ قوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ تحتم عليهم الصيام وأصبح فرضاً لازماً، فهذا نسخ إلى بدل.
(2) النسخ إلى غير بدل: كما في نسخ وجوب تقديم الصدقة لمن أراد مناجاة الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فالآية توجب على من أراد أن يناجي الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يتصدق أولاً، لكن كان في هذا الأمر نوع من المشقة على الصحابة؛ لأنهم يريدون مناجاته , ولكن أغلبهم كانوا فقراء لا يستطيعون أن يقدموا شيئًا فخفف الله عنهم ورفع عنهم وجوب تقديم الصدقة ,فقال: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ فهذا الحكم نسخ إلى غير بدل، أي لم تنسخ الصدقة مثلاً إلى الإطعام أو إلى الصيام أو ما أشبه ذلك.
ثم هذا البدل أيضاً قد يكون أخف وقد يكون أغلظ.
مثال النسخ إلى الأخف: آية المصابرة السابقة.
مثال النسخ إلى الأغلظ: التخيير بين الصيام والإطعام بوجوب الصيام وتحتمه وكونه فرضاً لازماً، فلا شك أن التخيير كان أهون عليهم من تحتُّم الصيام وفرضيته.