تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مثال ذلك: لو أنه حلف أن يتصدق بماله مثلاً فلابد أن يتصدق بالمال كله, فهذا عام يشمل جميع المال بجميع أنواعه, وكذلك لو قال: والله لأتصدقن على فقراء هذه القرية, فهذا عام في فقراء القرية كلهم فلو تصدق على اثنين أو ثلاثة منهم لم يبرَّ بيمينه حتى يتصدق على جميع فقراء القرية؛ لأنه عام.

لكن لو حلف أن يتصدق على فقير انحلت يمينه بالصدقة على فقير واحد, سواءً كان هذا الفقير من أقربائه أو بعيدا عنه سواءً كان مسلماً أو كافراً ذكراً أو أنثى؛ هذا لأجل أن كلمة فقير هنا مطلقة لم تقيد بقيد ففيها عموم صلاحية يعني كل فرد يصلح ويسد مسد الآخر.

فهذا فرق كبير بين المطلق والعام ولكن المصنف -رحمه الله تعالى- مع أنه لم يعقد باب للمطلق والمقيد أراد أن يبين أن التقييد قد يكون بالصفة وأن المطلق يحمل علي المقيد بالصفة , فذكر هذه القاعدة أن: المطلق يحمل على المقيد وهذه القاعدة يذكرها كل الأصوليون: المطلق يحمل على المقيد.

والمراد بحمل المطلق على المقيد: أي أنه يُفهم ويُفسّر بالمقيد, فإذا ورد اللفظ مطلقاً في موضع مثلاً ثم ورد اللفظ نفسه مقيداً في موضع آخر فنحمل المطلق على المقيد, بمعنى أننا نفهم اللفظ المطلق الذي ورد في الموضع الأول على أنه هو بعينه اللفظ المقيد , والمعنى نفسه لا يتغير , فننقل القيد من هذا الموضع إلى الموضع الذي خلا عن القيد ويصبح كأن الموضعين مُقيْدَان، وضرب له المصنف مثالاً يتكرر وروده عند كل الأصوليين وهو: قوله تعالى في كفارة الظهار: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ فلفظ "رقبة" هنا مطلق لم يحدد هل هذه الرقبة مؤمنة أم كافرة ذكرا أم أنثى؟ أي لم يحددها ولم يصفها بوصف, ثم في كفارة القتل قال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ فجمهور العلماء قالوا نحمل المطلق على المقيد فالرقبة المذكورة في الظهار نفهمها ونحملها على أنها رقبة مؤمنة مع أنها لم توصف هناك بالإيمان، لكن نحن نحملها على ذلك, نحملها على أنها رقبة مؤمنة ولا نجيز إلا أن يعتق المظاهر من زوجته رقبة مؤمنة.

مسألة حمل المطلق على المقيد العلماء يتكلمون عنها بتفصيل , ويقولون: إن هناك فرقاً بين أن يكون سبب الحكم واحداً أو أن يكون الحكم واحداً , وبين أن يختلفا في الحكم أو يختلفا في السبب, لكن خلاصة ما يقولونه في هذا: أن ننظر إلى الحكم فإن كان الحكم واحداً في الموضعين, حملنا المطلق على المقيد بمعنى أننا نقيد المطلق في الموضع الثاني الذي لم يرد فيه القيد، مثل المثال الذي ذكرناه قبل قليل فالحكم فيه واحد وهو إعتاق رقبة في كفارة فنحمله في الظهار على أنه مثل الحكم الثابت في كفارة قتل الخطأ فنقول لابد أن تكون الرقبة مؤمنة , وهذا قول الجمهور.

أما الحنفية فقالوا: لا ننقل حكماً إلى حكم , فالمطلق نبقيه على إطلاقه في موضعه والمقيد نتركه أيضا مقيداً, فحيث سكت الله - عز وجل - عن صفة الرقبة في كفارة الظهار نسكت, ونقول الرقبة يجزئ فيها الكافرة والمسلمة, وأما في القتل الخطأ فقد نص الله على صفة الإيمان فلابد أن تكون الرقبة مؤمنة.

والجمهور الذين حملوا المطلق على المقيد وقيدوا آية الظهار بما جاء في آية القتل اختلفوا في هذا الحمل:

فمنهم من يقول: هذا حكم نفهمه من اللفظ يعني بمقتضى اللغة ويقولون إن العرب من عادتهم أن يفعلوا ذلك وربما استشهد بعضهم بقول الشاعر:

نحن بما عندنا وأنت بما عندك *** راض والرأي مختلف

فيقولون: التقدير نحن بما عندنا راضون وأنت بما عندك راض ولكن الشاعر ما ذكر راضون في الأول.

ومنهم من قال: بل هو معنى شرعي نستفيده بطريق القياس, فقاسوا الرقبة المذكورة في كفارة الظهار على الرقبة المذكورة في كفارة القتل ونقول كل منهما كفارة فحيث قُيْدَت هنا بالإيمان يجب أن تقيد هناك.

ملحوظة: هذا من جهة ما إذا اتحد فيهما الحكم أما حينما يختلف الحكم (اللفظ يقيد في موضع ويطلق في موضع ولكن الحكم مختلف) فإنه لا يحمل المطلق على المقيد.

تهذيب شرح متن الورقات · الصفحة ٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب شرح متن الورقاتص ٣٨