وهذا ما أشار إليه النبي – صلى الله عليه وسلم – في الحديث الصحيح الصريح الذي روته أم المؤمنين أم سلمة – رضي الله عنها – حين قالت : أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : (( إنما أنا بشر ، وأنكم تختصمون إليّ ، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، فأقضي بنحو ما أسمع ، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه ، فإنما أقطع له قطعة من النار )) (1).
وقد أثار بعض الباحثين المنبهرين بقانون الغرب ودساتيرهم شبهة جواز الاستعانة بالمصطلحات الغربية في القضاء الشرعي والإفادة منها ومن مفاهيمها الحضارية واستدل بحديث : ( الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها ) ، وما علم هذا أن هذا الحديث قد ضعفه المختصون بعلم الرجال هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى أن لفظ الحكمة ورد في الاستعمال القرآني بشكل مفرد مرة ، ومقترن بلفظ الكتاب مرة أخرى ، أما المفردة فقد فسرها العلماء بأنها : النبوة أو القرآن أو العلم أو الفقه ، وأنها تعني الإصابة في القول والفعل ، وأنها معاني الأشياء وفهمها ، وأما الحكمة المقترنة بالكتاب فهي السنة لا غير .
ثم إن طلب الهدى عند أهل الضلال هو من أعظم الجهل فالمفاهيم الغربية نحو القضاء والحكم والمصطلحات التي تتفرع منها مبنية على أصل فاسد في شريعتنا واعتقاداتنا ، فهم يجعلون الإنسان محور الكون ورفيق الطبيعة المادية ، وأن حل مشكلات هذا الإنسان تكمن في داخله ومن محيطه ،، لذلك فليس للإنسان حاجة – عندهم – إلى أن يطلب شريعة وقانون من السماء ليقيّد بها نفسه ، وهذا ما يعبرون عنه بـ( المطلق ) وهو مفهوم من مفاهيم الحرية .
المطلب الثالث
تأريخ تقنين المصطلح في القضاء الشرعي
(1) صحيح البخاري برقم: ( 2534 ): 2 / 591 ، صحيح مسلم برقم : ( 1713 ) : 3 / 1337 .