وبدلاً من تدوين قانون للقضاء على أساس البحث عن السهل اليسير المعتمد على ثمرات اختلاف اجتهادات الفقهاء ، انصرف الكثيرون إلى تدوين فقه المذاهب لتسهيل تناولها بين الناس ، وشاعت كتب الفتاوى وانصرف الناس إلى التقليد ، وتراجع تطور الفقه الإسلامي وحيويته في التعامل مع المستجدات ، وساعدت دولة الخلافة في الوصول إلى هذه الحالة ، فقد آثر الخلفاء اختيار القضاة من المقلدين ليقيدوهم بمذهب معين يفضله الخليفة بناءً على اعتبارات سياسية تفرضها أولويات حماية كرسي الحكم والمشروعية السياسية الشرعية التي منحها فقهاء مذهب معين للحاكم ، وبدأ القضاة يحكمون على مذهب معين.
بدايات التقنين للمصطلح في القضاء الشرعي المعاصر :
بدأت حركة التقنين أولاً بالمعنى المعاصر في أواخر العهد العثماني في مجال القانون المدني ، بصدور مجلة الأحكام العدلية عام 1293 هـ .
وأصبحت المجلة قانوناً مدنياً عاماً تضم مجال المعاملات المدنية والتجارية ومفردات القانون المدني المتنوعة مثل : ( البيوع ، الإجارة ، الكفالة ، الحوالة ، الرهن ، الهبة ، الشركات ، الوكالة ) وغيرها منتخباً من الأحكام الفقهية الخاصة بالمعاملات للفقه الحنفي - المذهب الرسمي للدولة العثمانية - ولم يعول على ما يخالفه من أحكام فقهية في حالة تواجد الحكم المطلوب في المجلة ، وذلك لاقتران صدور المجلة بأمر السلطان ، ويرجع القضاة إلى نصوص الفقه الإسلامي فيما لا نص عليه ، وقد رتبت أحكامها في صورة مواد مختصرة يقتصر الحكم فيها على رأي واحد (1) .
(1) أنظر : تاريخ التشريع الإسلامي : 337 .