وَأَمَّا الْمُنَافِقُ أَوِ الْمُرْتَابُ فَيَقُولُ: «لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ» (رواه البخاري ومسلم).
حُكْمَ الشَّارِعِ إِذَا وَقَعَ وَظَهَرَ فَلَا خِيَرَةَ لِلرِّجَالِ وَلَا اعْتِبَارَ بِهِمْ:
وَتَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ تَرْجَمَةً تَقْتَضِي أَنَّ حُكْمَ الشَّارِعِ إِذَا وَقَعَ وَظَهَرَ فَلَا خِيَرَةَ لِلرِّجَالِ وَلَا اعْتِبَارَ بِهِمْ، وَأَنَّ الْمُشَاوَرَةَ إِنَّمَا تَكُونُ قَبْلَ التَّبْيِينِ. فَقَالَ: «بَابُ قَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى:38)، ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: 38 - 159) وَأَنَّ الْمُشَاوَرَةَ قَبْلَ الْعَزْمِ وَالتَّبْيِينِ لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (آل عمران: 159) فَإِذَا عَزَمَ الرَّسُولُ - صلى الله عليه وآله وسلم - لَمْ يَكُنْ لِبَشَرٍ التَّقَدُّمُ عَلَى اللهِ وَرَسُولِهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -.
وَشَاوَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وآله وسلم - عَلِيًّا وَأُسَامَةَ فِيمَا رَمَى بِهِ أَهْلُ الْإِفْكِ عَائِشَةَ - رضي الله عنها -، فَسَمِعَ مِنْهُمَا حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ فَجَلَدَ الرَّامِينَ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى تَنَازُعِهِمْ، وَلَكِنْ حَكَمَ بِمَا أَمَرَهُ اللهُ.
وَكَانَتِ الْأَئِمَّةُ بَعْدَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وآله وسلم - يَسْتَشِيرُونَ الْأُمَنَاءَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ لِيَأْخُذُوا بِأَسْهَلِهَا، فَإِذَا وَقَعَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، لَمْ يَتَعَدَّوْهُ إِلَى غَيْرِهِ، اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ - صلى الله عليه وآله وسلم -.
وَرَأَى أَبُو بَكْرٍ قِتَالَ مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى مَشُورَةٍ، إِذْ كَانَ عِنْدَهُ حُكْمُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - ثَابِتًا فِي الَّذِينَ فَرَّقُوا بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَأَرَادُوا تَبْدِيلَ الدِّينِ وَأَحْكَامِهِ، وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَشُورَةِ عُمَرَ كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللهِ».
وَمَا قَالَهُ الْبُخَارِيُّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ - رضي الله عنهم - لَمْ يَأْخُذُوا أَقْوَالَ الرِّجَالِ فِي طَرِيقِ الْحَقِّ إِلَّا مِنْ حَيْثُ هُمْ وَسَائِلُ لِلتَّوَصُّلِ إِلَى شَرْعِ اللهِ، لَا مِنْ حَيْثُ هُمْ أَصْحَابُ رُتَبٍ أَوْ كَذَا أَوْ كَذَا أَوْ كَذَا. وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ كُلُّ مَا قَالَ رَجُلٌ قَوْلًا، وَإِنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ، يُتَّبَعُ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِ اللهِ - عز وجل -: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾» (الزمر: 18). وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْحَقَّ هُوَ الْمُعْتَبَرُ دُونَ الرِّجَالِ، فَالْحَقُّ أَيْضًا لَا يُعْرَفُ دُونَ وَسَائِطِهِمْ بَلْ بِهِمْ يُتَوَصَّلُ إِلَيْهِ، وَهُمُ الْأَدِلَّاءُ عَلَى طَرِيقِهِ.