فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ} (التوبة: 28) فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَعْذُرْهُمْ فِي تَرْكِ مَنْعِ الْمُشْرِكِينَ خَوْفَ الْعَيْلَةِ (1)، فَكَذَلِكَ لَمْ يَعُدَّ أَبُو بَكْرٍ مَا يَلْقَى الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْمَشَقَّةِ عُذْرًا يَتْرُكُ بِهِ الْمُطَالَبَةَ بِإِقَامَةِ شَعَائِرِ الدِّينِ حَسْبَمَا كَانَتْ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وآله وسلم -.
وَجَاءَ فِي الْقِصَّةِ أَنَّ الصَّحَابَةَ - رضي الله عنهم - أَشَارُوا عَلَيْهِ بِرَدِّ الْبَعْثِ الَّذِي بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - مَعَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - وَلَمْ يَكُونُوا بَعْدُ مَضَوْا لِوُجْهَتِهِمْ - لِيَكُونُوا مَعَهُ عَوْنًا عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ فَأَبَى مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: «مَا كُنْتُ لِأَرُدَّ بَعْثًا أَنْفَذَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -». فَوَقَفَ مَعَ شَرْعِ اللهِ وَلَمْ يُحَكِّمْ غَيْرَهُ.
وَلَقَدْ كَانَ كَافِيًا مِنْ ذَلِكَ خِطَابُ اللهِ لِنَبِيِّهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - وَأَصْحَابِهِ - رضي الله عنهم -: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء: 59)، مَعَ أَنَّهُ قَالَ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: 59) وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب: 36).
وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه -: «ثَلَاثٌ يَهْدِمْنَ الدِّينَ: «زَلَّةُ الْعَالِمِ، وَجِدَالُ مُنَافِقٍ بِالْقُرْآنِ، وَأَئِمَّةٌ مُضِلُّونَ» [رواه ابن المبارك في (الزهد)، وسنده صحيح].
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «اغْدُ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا، وَلَا تَغْدُ إِمَّعَةً فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ». قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: فَسَأَلْتُ سُفْيَانَ عَنِ الْإِمَّعَةِ فَحَدَّثَنِي عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - قَالَ: «كُنَّا نَدْعُو الْإِمَّعَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الَّذِي يُدْعَى إِلَى الطَّعَامِ فَيَذْهَبُ مَعَهُ بِغَيْرِهِ، وَهُوَ فِيكُمُ الْيَوْمَ الْمُحَقِّبُ (2) دِينَهُ الرِّجَالَ».
(1) () عَيْلَةً: أي: فقر وحاجة.
(2) () الْمُحَقِّبُ: المُقَلد التابع لغيره.