تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَقَدْ زَعَمَ أَهْلُ الْعُقُولِ أَنَّ النَّظَرِيَّاتِ لَا يُمْكِنُ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهَا عَادَةً لِاخْتِلَافِ الْقَرَائِحِ (1) وَالْأَنْظَارِ. فَإِذَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِيهَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ مُخْبِرٍ بِحَقِيقَتِهَا فِي أَنْفُسِهَا إِنِ احْتِيجَ إِلَيْهَا، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ تَفْتَقِرْ إِلَى الْإِخْبَارِ لَمْ يَصِحَّ الْعِلْمُ بِهَا لَأَنَّ الْمَعْلُومَاتِ لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَنْظَارِ لِأَنِّهَا حَقَائِقُ فِي أَنْفُسِهَا. فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ فِيهَا مُصِيبًا - كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي الْأُصُولِ - وَإِنَّمَا الْمُصِيبُ فِيهَا وَاحِدٌ. وَهُوَ لَا يَتَعَيَّنُ إِلَّا بِالدَّلِيلِ.

وَقَدْ تَعَارَضَتِ الْأَدِلَّةُ فِي نَظَرِ النَّاظِرِ. فَنَحْنُ نَقْطَعُ بِأَنَّ أَحَدَ الدَّلِيلَيْنِ دَلِيلٌ حَقِيقَةً. وَالْآخَرُ شُبْهَةٌ وَلَا يُعَيَّنُ. فَلَابُدَّ مِنْ إِخْبَارٍ بِالتَّعْيِينِ.

والْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ مِنْ حَيْثُ تَقَعُ عَلَى أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ لَيْسَتْ مِنْ قَبِيلِ الضَّرُورِيَّاتِ فِي الْجُمْلَةِ. وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ التَّفَاصِيلِ.

وَالْقَائِلُونَ بِالتَّشْرِيعِ الْعَقْلِيِّ قَدْ أَقَرُّوا فِي الْجُمْلَةِ أَنَّ مِنْهُ نَظَرِيًّا، وَمِنْهُ مَا لَا يُعْلَمُ بِضَرُورَةٍ وَلَا نَظَرٍ، وَهُمَا الْقِسْمَانِ الْبَاقِيَانِ مِمَّا لَا يُعْلَمُ لَهُ أَصْلٌ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الْإِخْبَارِ، فَلَابُدَّ فِيهِ مِنِ الْإِخْبَارِ لِأَنَّ الْعَقْلَ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ فِيهِ.

فَلَابُدَّ مِنَ الِافْتِقَارِ إِلَى الْخَبَرِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْعَقْلُ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِالتَّشْرِيعِ.

وَخَرَّجَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عُمَرَ: «إِنَّ أَصْحَابَ الرَّأْيِ أَعْدَاءُ السُّنَنِ، أَعْيَتْهُمْ أَنْ يَحْفَظُوهَا، وَتَفَلَّتَتْ مِنْهُمْ أَنْ يَعُوهَا، وَاسْتَحْيَوْا حِينَ سُئِلُوا أَنْ يَقُولُوا: «لَا نَعْلَمُ» فَعَارَضُوا السُّنَنَ بِرَأْيِهِمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ».

وَالصَّحَابَةَ - رضي الله عنهم - وَمَنْ بَعْدَهُمْ لَمْ يُعَارِضُوا مَا جَاءَ فِي السُّنَنِ بِآرَائِهِمْ، عَلِمُوا مَعْنَاهُ أَوْ جَهِلُوهُ، جَرَى لَهُمْ عَلَى مَعْهُودِهِمْ أَوْ لَا، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْ نَقْلِهِ، وَلْيَعْتَبِرْ فِيهِ مَنْ قَدَّمَ النَّاقِصَ - وَهُوَ الْعَقْلُ - عَلَى الْكَامِلِ - وَهُوَ الشَّرْعُ.

(1) () قريحة الإنسان: طبيعته التي جُبِل عليها. وملكته التي يستطيع بها ابتداع الكلام وإبداء الرَّأي.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ٤١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ٤١٣