بَأْسًا أَنْ أَجْعَلَ لَهُ إِسْنَادًا». فَلِذَلِكَ كَانَ يُحَدِّثُ بِالْمَوْضُوعَاتِ (1)، وَقَدْ قُتِلَ فِي الزَّنْدَقَةِ وَصُلِبَ.
وَأَمَّا الْأَمْرُ الثَّانِي (2): فَإِنَّ قَوْمًا أَغْفَلُوهُ أَيْضًا وَلَمْ يُمْعِنُوا النَّظَرَ حَتَّى اخْتَلَفَ عَلَيْهِمُ الْفَهْمُ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، فَأَحَالُوا بِالِاخْتِلَافِ عَلَيْهَا تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِالنَّظَرِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي عَابَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - مِنْ حَالِ الْخَوَارِجِ حَيْثُ قَالَ: «يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ» (رواه البخاري ومسلم). فَوَصَفَهُمْ بِعَدَمِ الْفَهْمِ لِلْقُرْآنِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ خَرَجُوا عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ، إِذْ قَالُوا: «لَا حُكْمَ إِلَّا للهِ»، وَقَدْ حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي دِينِ اللهِ، حَتَّى بَيَّنَ لَهُمْ حَبْرُ الْقُرْآنِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - مَعْنَى قَوْلِهِ تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (الأنعام: 57) عَلَى وَجْهٍ أَذْعَنَ بِسَبَبِهِ مِنْهُمْ أَلْفَانِ، أَوْ مَنْ رَجَعَ مِنْهُمْ إِلَى الْحَقِّ، وَتَمَادَى الْبَاقُونَ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ، اعْتِقَادًا - وَاللهُ أَعْلَمُ - عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ: «لَا تُنَاظِرُوهُ وَلَا تُخَاصِمُوهُ فَإِنَّهُ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾» (الزخرف: 58).
فَتَأَمَّلُوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - كَيْفَ كَانَ فَهْمُهُمْ فِي الْقُرْآنِ. ثُمَّ لَمْ يَزَلْ هَذَا الْإِشْكَالُ يَعْتَرِي أَقْوَامًا حَتَّى اخْتَلَفَتْ عَلَيْهِمُ الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ، وَتَدَافَعَتْ عَلَى أَفْهَامِهِمْ فَتَبَجَّحُوا بِهِ قَبْلَ إِمْعَانِ النَّظَرِ (3).
(1) () أي الأحاديث الموضوعة المكذوبة على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -.
(2) () وَهُوَ أَنْ يُوقِنَ أَنَّهُ لَا تَضَادَّ بَيْنَ آيَاتِ الْقُرْآنِ وَلَا بَيْنَ الْأَخْبَارِ النَّبَوِيَّةِ وَلَا بَيْنَ أَحَدِهِمَا مَعَ الْآخَرِ.
(3) () إِمْعَان النَّظَرِ = إِنْعَام النَّظَرِ.
إِمْعَانِ: إِنْعَام: تأنٍّ وتدقيق وطول تفكير.
أمعن النَّظرَ في الأمر/ أمعن في الأمر: جدَّ وبالغ في استقصائه وأطال التفكيرَ فيه.
أنعم في الأمر: بالغ فيه وتأمَّله، أجاد فيه. أنعم النَّظرَ في أمرٍ: أطال التفكير والتدقيق فيه.