تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثُمَّ نَقُولُ ثَانِيًا: إِنَّ النَّظَرَ فِي كَمَالِهَا بِحَسَبِ خُصُوصِ الْجُزْئِيَّاتِ يُؤَدِّي إِلَى الْإِشْكَالِ وَالِالْتِبَاسِ، وَإِلَّا فَهُوَ الَّذِي أَدَّى إِلَى إِيرَادِ هَذَا السُّؤَالِ، إِذْ لَوْ نَظَرَ السَّائِلُ إِلَى الْحَالَةِ الَّتِي وُضِعَتْ عَلَيْهَا الشَّرِيعَةُ، وَهِيَ حَالَةُ الْكُلِّيَّةِ لَمْ يُورِدْ سُؤَالَهُ، لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْأَبَدِيَّةِ، وَإِنْ وُضِعَتِ الدُّنْيَا عَلَى الزَّوَالِ وَالنِّهَايَةِ.

وَأَمَّا الْجُزْئِيَّةُ فَمَوْضُوعَةٌ عَلَى النِّهَايَةِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى الْحَصْرِ فِي التَّفْصِيلِ، وَإِذْ ذَاكَ قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّهَا لَمْ تَكْمُلْ فَيَكُونُ خِلَافًا لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (المائدة: 3)، وَقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: 89)، وَلَا شَكَّ أَنَّ كَلَامَ اللهِ هُوَ الصَّادِقُ، وَمَا خَالَفَهُ فَهُوَ الْمُخَالِفُ.

فَظَاهِرٌ إِذْ ذَاكَ أَنَّ الْآيَةَ عَلَى عُمُومِهَا وَإِطْلَاقِهَا، وَأَنَّ النَّوَازِلَ الَّتِي لَا عَهْدَ بِهَا لَا تُؤَثِّرُ فِي صِحَّةِ هَذَا الْكَمَالِ لِأَنَّهَا:

- إِمَّا مُحْتَاجٌ إِلَيْهَا.

- وَإِمَّا غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهَا.

فَإِنْ كَانَتْ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا فَهِيَ مَسَائِلُ الِاجْتِهَادِ الْجَارِيَةُ عَلَى الْأُصُولِ الشَّرْعِيَّةِ فَأَحْكَامُهَا قَدْ تَقَدَّمَتْ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْظَرُ الْمُجْتَهِدِ إِلَى أَيِّ دَلِيلٍ يَسْتَنِدُ خَاصَّةً.

وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُحْتَاجٍ إِلَيْهَا، فَهِيَ الْبِدَعُ الْمُحْدَثَاتُ، إِذْ لَوْ كَانَتْ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا لَمَا سَكَتَ عَنْهَا فِي الشَّرْعِ. لَكِنَّهَا مَسْكُوتٌ عَنْهَا، وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهَا فِيهِ، فَلَيْسَتْ بِمُحْتَاجٍ إِلَيْهَا. فَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ قَدْ كَمُلَ الدِّينُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.

وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى هُوَ الَّذِي فَهِمَهُ الصَّحَابَةُ - رضي الله عنهم -، أَنَّهُمْ لَمْ يُسْمَعْ عَنْهُمْ قَطُّ إِيرَادُ ذَلِكَ السُّؤَالِ، بَلْ حَكَمُوا بِالِاجْتِهَادِ فِيمَا لَمْ يَجِدُوا فِيهِ عَنِ الشَّارِعِ نَصًّا، وَاعْتَبَرُوا بِمَعَانٍ شَرْعِيَّةٍ تَرْجِعُ فِي التَّحْصِيلِ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالنَّصِّ فَإِنَّهُ بِالْمَعْنَى. فَقَدْ ظَهَرَ إذَنْ وَجْهُ كَمَالِ الدِّينِ عَلَى أَتَمِّ الْوُجُوهِ.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ٤٠٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ٤٠٩