وَقَالَ تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ (يوسف: 82)، فَالْمَعْنَى بَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ، وَلَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِاللِّسَانِ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ الْقَرْيَةَ وَالْعِيرَ لَا يُخْبِرَانِ بِصِدْقِهِمْ.
هَذَا كُلُّهُ مَعْنَى تَقْرِيرِ الشَّافِعِيِّ - رحمه الله - فِي هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ الثَّابِتَةِ لِلْعَرَبِ وَهُوَ بِالْجُمْلَةِ مُبِيِّنٌ أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يُفْهَمُ إِلَّا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا أَتَى الشَّافِعِيُّ بِالنَّوْعِ الْأَغْمَضِ مِنْ طَرَائِقِ الْعَرَبِ، لِأَنَّ سَائِرَ أَنْوَاعِ التَّصَرُّفَاتِ الْعَرَبِيَّةِ قَدْ بَسَطَهَا أَهْلُهَا، وَهُمْ أَهْلُ النَّحْوِ وَالتَّصْرِيفِ، وَأَهْلُ الْمَعَانِي وَالْبَيَانِ، وَأَهْلُ الِاشْتِقَاقِ وَشَرْحِ مُفْرَدَاتِ اللُّغَةِ، وَأَهْلُ الْأَخْبَارِ الْمَنْقُولَةِ عَنِ الْعَرَبِ لِمُقْتَضَيَاتِ الْأَحْوَالِ، فَجَمِيعُهُ نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ. وَلِذَلِكَ أَطْلَقَ عَلَيْهِ عِبَارَةَ الْعَرَبِيِّ.
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَعَلَى النَّاظِرِ فِي الشَّرِيعَةِ والْمُتَكَلِّمِ فِيهَا أُصُولًا وَفُرُوعًا أَمْرَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ عَرَبِيًّا أَوْ كَالْعَرَبِيِّ فِي كَوْنِهِ عَارِفًا بِلِسَانِ الْعَرَبِ، بَالِغًا فِيهِ مَبَالِغَ الْعَرَبِ أَوْ مَبَالِغَ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ كَالْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ وَالْكِسَائِيِّ وَالْفَرَّاءِ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ وَدَانَاهُمْ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ حَافِظًا كَحِفْظِهِمْ وَجَامِعًا كَجَمْعِهِمْ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنْ يَصِيرَ فَهْمُهُ عَرَبِيًّا فِي الْجُمْلَةِ. وَبِذَلِكَ امْتَازَ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ عُلَمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى الْمُتَأَخِّرِينَ. إِذْ بِهَذَا الْمَعْنَى أَخَذُوا أَنْفُسَهُمْ حَتَّى صَارُوا أَئِمَّةً، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ فَحَسْبُهُ فِي فَهْمِ مَعَانِي الْقُرْآنِ التَّقْلِيدُ، وَلَا يَحْسُنُ ظَنُّهُ بِفَهْمِهِ دُونَ أَنْ يَسْأَلَ فِيهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِهِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ لَمَّا قَرَّرَ مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ: «فَمَنْ جَهِلَ هَذَا مِنْ لِسَانِهَا يَعْنِي لِسَانَ الْعَرَبِ - وَبِلِسَانِهَا نَزَلَ الْقُرْآنُ وَجَاءَتِ السُّنَّةُ بِهِ - فَتَكَلَّفَ الْقَوْلَ فِي عِلْمِهَا تَكَلُّفَ مَا يَجْهَلُ لَفْظَهُ، وَمَنْ تَكَلَّفَ مَا جَهِلَ وَمَا لَمْ يُثْبِتْهُ مَعْرِفَةٌ، كَانَتْ مُوَافَقَتُهُ لِلصَّوَابِ - إِنْ وَافَقَهُ - مِنْ حَيْثُ لَا يَعْرِفُهُ غَيْرَ مَحْمُودَةٍ، وَكَانَ فِي تَخْطِئَتِهِ غَيْرَ مَعْذُورٍ، إِذْ نَظَرَ فِيمَا لَا يُحِيطُ عِلْمُهُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الصَّوَابِ وَالْخَطَإِ فِيهِ».
وَمَا قَالَهُ حَقٌّ، فَإِنَّ الْقَوْلَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ بِغَيْرِ عِلْمٍ تَكَلُّفٌ - وَقَدْ نُهِينَا عَنِ التَّكَلُّفِ - وَدُخُولٌ تَحْتَ مَعْنَى الْحَدِيثِ، حَيْثُ قَالَ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «إِنَّ اللهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ