هَذَا وَإِنْ كَانَ بُعِثَ لِلنَّاسِ كَافَّةً فَإِنَّ اللهَ جَعَلَ جَمِيعَ الْأُمَمِ وَعَامَّةَ الْأَلْسِنَةِ فِي هَذَا الْأَمْرِ تَبَعًا لِلِسَانِ الْعَرَبِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يُفْهَمُ كِتَابُ اللهِ تَعَالَى إِلَّا مِنَ الطَّرِيقِ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ اعْتِبَارُ أَلْفَاظِهَا وَمَعَانِيهَا وَأَسَالِيبِهَا.
أَمَّا أَلْفَاظُهَا فَظَاهِرَةٌ لِلْعِيَانِ، وَأَمَّا مَعَانِيهَا وَأَسَالِيبُهَا فَكَانَ مِمَّا يُعْرَفُ مِنْ مَعَانِيهَا: اتِّسَاعُ لِسَانِهَا، وَأَنْ تُخَاطِبَ بِالشَّيْءِ مِنْهُ عَامًّا ظَاهِرًا يُرَادُ بِهِ الْعَامُّ الظَّاهِرُ، وَيُسْتَغْنَى بِأَوَّلِهِ عَنْ آخِرِهِ، وَعَامًّا ظَاهِرًّا يُرَادُ بِهِ الْعَامُّ وَيَدْخُلُهُ الْخَاصُّ، وَيُسْتَدَلُّ عَلَى هَذَا بِبَعْضِ الْكَلَامِ، وَعَامًّا ظَاهِرًا يُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ، وَظَاهِرًا يُعْرَفُ فِي سِيَاقِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ غَيْرُ ذَلِكَ الظَّاهِرِ، وَالْعِلْمُ بِهَذَا كُلِّهِ مَوْجُودٌ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ أَوْ وَسَطِهِ أَوْ آخِرِهِ.
وَتَبْتِدِئُ الشَّيْءَ مِنْ كَلَامِهَا يُبَيَّنُ أَوَّلُ اللَّفْظِ فِيهِ عَنْ آخِرِهِ، أَوْ يُبَيَّنُ آخِرُهِ عَنْ أَوَّلِهِ، وَتَتَكَلَّمُ بِالشَّيْءِ تُعَرِّفُهُ بِالْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ كَمَا تَعْرِفُ بِالْإِشَارَةِ، وَهَذَا عِنْدَهَا مِنْ أَفْصَحِ كَلَامِهَا، لِانْفِرَادِهَا بِعِلْمِهِ دُونَ غَيْرِهَا مِمَّنْ يَجْهَلُهُ، وَتُسَمِّي الشَّيْءَ الْوَاحِدَ بِالْأَسْمَاءِ الْكَثِيرَةِ، وَتَضَعُ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ لِلْمَعَانِي الْكَثِيرَةِ. وَهَذِهِ كُلُّهَا مَعْرُوفَةٌ عِنْدَهَا وَتُسْتَنْكَرُ عِنْدَ غَيْرِهَا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي يَعْرِفُهَا مَنْ زَاوَلَ كَلَامَهُمْ وَكَانَتْ لَهُ بِهِ مَعْرِفَةٌ، وَثَبَتَ رُسُوخُهُ فِي عِلْمِ ذَلِكَ.
فَمِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءِ وَكِيلٌ، وَقَالَ تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (هود: 6) فَهَذَا مِنَ الْعَامِّ الظَّاهِرِ الَّذِي لَا خُصُوصَ فِيهِ فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ سَمَاءٍ وَأَرْضٍ وَذِي رُوحٍ وَشَجَرٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَاللهُ خَالِقُهُ، وَكُلُّ دَابَّةٍ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا، ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ (هود: 6).
وَقَالَ اللهُ تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ (التوبة: 120)، فَقَوْلُهُ تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ (التوبة: 120)، إِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ مَنْ أَطَاقَ وَمَنْ لَمْ يُطِقْ فَهُوَ عَامُّ الْمَعْنَى، وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ (التوبة: 120) عَامٌّ فِيمَنْ أَطَاقَ وَمَنْ لَمْ يُطِقْ، فَهُوَ عَامُّ الْمَعْنَى.