لَكِنَّ التَّجَارِيَ الْمُشَبَّهَ بِالْكَلَبِ لَا يَبْلُغُهُ كُلُّ صَاحِبِ بِدْعَةٍ، إِلَّا أَنَّهُ يَبْقَى وَجْهُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ مَنْ أُشْرِبَ قَلْبُهُ بِدْعَةً مِنِ الْبِدَعِ ذَلِكَ الْإِشْرَابَ، وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ مِمَّنْ هُوَ مَعْدُودٌ فِي الْفِرَقِ، فَإِنَّ الْجَمِيعَ مُتَّصِفُونَ بِوَصْفِ الْفِرْقَةِ الَّتِي هِيَ نَتِيجَةُ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ.
وَسَبَبُ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا - وَاللهُ أَعْلَمُ - أَمْرَانِ:
إِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الَّذِي أُشْرِبَهَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَدْعُوَ إِلَى بِدْعَتِهِ، فَيُظْهِرُ بِسَبَبِهَا الْمُعَادَاةَ، وَالَّذِي لَمْ يُشْرِبْهَا لَا يَدْعُو إِلَيْهَا وَلَا يَنْتَصِبُ لِلدُّعَاءِ إِلَيْهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَدْعُ إِلَيْهَا إِلَّا وَهِيَ وَقَدْ بَلَغَتْ مِنْ قَلْبِهِ مَبْلَغًا عَظِيمًا بِحَيْثُ يَطْرَحُ مَا سِوَاهَا فِي جَنْبِهَا، حَتَّى صَارَ ذَا بَصِيرَةٍ فِيهَا لَا يَنْثَنِي عَنْهَا، وَقَدْ أَعْمَتْ بَصَرَهُ وَأَصَمَّتْ سَمْعَهُ وَاسْتَوْلَتْ عَلَى كُلِّيَّتِهِ وَهِيَ غَايَةُ الْمَحَبَّةِ.
وَمَنْ أَحَبَّ شَيْئًا مِنْ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْمَحَبَّةِ وَالَى بِسَبَبِهِ وَعَادَى، وَلَمْ يُبَالِ بِمَا لَقِيَ فِي طَرِيقِهِ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ الْمَبْلَغَ، فَإِنَّمَا هِيَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ مَسْأَلَةٍ عِلْمِيَّةٍ حَصَّلَهَا، وَنُكْتَةٍ اهْتَدَى إِلَيْهَا فَهِيَ مُدَّخَرَةٌ فِي خِزَانَةِ حِفْظِهِ يَحْكُمُ بِهَا عَلَى مَنْ وَافَقَ وَخَالَفَ، لَكِنْ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلَى إِمْسَاكِ نَفْسِهِ عَنِ الْإِظْهَارِ مَخَافَةَ النَّكَالِ وَالْقِيَامِ عَلَيْهِ بِأَنْوَاعِ الْإِضْرَارِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مَنْ دَاهَنَ عَلَى نَفْسِهِ فِي شَيْءٍ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إِظْهَارِهِ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ مَبْلَغَ الِاسْتِيلَاءِ، فَكَذَلِكَ الْبِدْعَةُ إِذَا اسْتَخْفَى بِهَا صَاحِبُهَا.
وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ مَنْ أُشْرِبَهَا نَاصِبٌ عَلَيْهَا بِالدَّعْوَةِ الْمُقْتَرِنَةِ بِالْخُرُوجِ عَنِ الْجَمَاعَةِ وَالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ، وَهِيَ الْخَاصِّيَّةُ الَّتِي ظَهَرَتْ فِي الْخَوَارِجِ وَسَائِرِ مَنْ كَانَ عَلَى رَأْيِهِمْ.
فَكَمْ مِنْ أَهْلِ بِدْعَةٍ لَمْ يَقُومُوا بِبِدْعَتِهِمْ قِيَامَ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ، بَلِ اسْتَتَرُوا بِهَا جِدًّا، وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلدُّعَاءِ إِلَيْهَا جِهَارًا، كَمَا فَعَلَ غَيْرُهُمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَدُّ فِي الْعُلَمَاءِ وَالرُّوَاةِ وَأَهْلِ الْعَدَالَةِ بِسَبَبِ عَدَمِ شُهْرَتِهِمْ بِمَا انْتَحَلُوهُ. فَهَذَا الْوَجْهُ يَظْهَرُ أَنَّهُ أَوْلَى الْوُجُوهِ بِالصَّوَابِ، وَباللهِ التَّوْفِيقُ.