تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هَلْ بَنْبَغِي تَعْيِينُ الدَّاخِلِينَ فِي مُقْتَضَى حَدِيثِ الْفِرَقِ بِأَشخَاصِهِمْ:

الْأَوْلَى عَدَمُ التَّعْيِينُ؛ فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ قَدْ فَهِمْنَا مِنْهَا أَنَّهَا تُشِيرُ إِلَى أَوْصَافِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ لِيُحْذَرَ مِنْهَا، وَيَبْقَى الْأَمْرُ فِي تَعْيِينِ الدَّاخِلِينَ فِي مُقْتَضَى الْحَدِيثِ مُرَجَّى.

وَإِنَّمَا وَرَدَ التَّعْيِينُ فِي النَّادِرِ كَمَا قَالَ - رضي الله عنه - فِي الْخَوَارِجِ: «إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ» (1) (رواه البخاري ومسلم). مَعَ أَنَّهُ - صلى الله عليه وآله وسلم - لَمْ يَعْرِفْ أَنَّهُمْ مِمَّنْ شَمِلَهُمْ حَدِيثُ الْفِرَقِ.

(1) () عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلٌ غَائِرُ العَيْنَيْنِ، نَاتِئُ الجَبِينِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مُشْرِفُ الوَجْنَتَيْنِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اتَّقِ اللَّهَ»، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «فَمَنْ يُطِيعُ اللهَ إِذَا عَصَيْتُهُ، فَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ، وَلاَ تَأْمَنُونِي»، ثُمَّ وَلَّى الرَّجُلُ، قَالَ خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلاَ أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟»، قَالَ: «لاَ، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي»، فَقَالَ خَالِدٌ: «وَكَمْ مِنْ مُصَلٍّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ»، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلاَ أَشُقَّ بُطُونَهُمْ»، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا، قَوْمًا يَقْرَءُونَ القُرْآنَ، لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ» (رواه البخاري ومسلم).

(غَائِر الْعَيْنَيْنِ) الْمُرَاد أَنَّ عَيْنَيْهِ دَاخِلَتَانِ فِي مَحَاجِرهمَا لَاصِقَتَيْنِ بِقَعْرِ الْحَدَقَة، وَهُوَ ضِدّ الْجُحُوظ.

(مُشْرِف الوَجْنَتَيْنِ) أَيْ بَارِزهمَا، وَالْوَجْنَتَانِ الْعَظْمَان الْمُشْرِفَانِ عَلَى الْخَدَّيْنِ، وقِيل الوَجْنَةُ: لَحْمُ الخَدّ.

(نَاتِئ الْجَبِين) مِنْ النُّتُوء، أَيْ أَنَّهُ يَرْتَفِع عَلَى مَا حَوْله. وَالْجَبِينِ: جَانِبُ الْجَبْهَةِ، وَلِكُلِّ إِنْسَانٍ جَبِينَانِ يَكْتَنِفَانِ الْجَبْهَةَ. (كَثُّ اللِّحْيَةِ): كَثِيرُهَا. (مَحْلُوق الرَّأْسِ) الْخَوَارِج سِيمَاهُمْ التَّحْلِيق، وَكَانَ السَّلَف يُوَفِّرُونَ شُعُورهمْ لَا يَحْلِقُونَهَا، وَكَانَتْ طَرِيقَة الْخَوَارِج حَلْق جَمِيع رُءُوسِهِمْ.

(إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلاَ أَشُقَّ بُطُونَهُمْ): أَيْ إِنَّمَا أُمِرْت أَنْ آخُذَ بِظَوَاهِر أُمُورهمْ، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: «إِنَّمَا مَنَعَ قَتْله ـ وَإِنْ كَانَ قَدْ اِسْتَوْجَبَ الْقَتْل ـ لِئَلَّا يَتَحَدَّث النَّاس أَنَّهُ يَقْتُل أَصْحَابه، وَلَا سِيَّمَا مَنْ صَلَّى، كَمَا فِي قِصَّة عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ. (يَخْرُج مِنْ ضِئْضِئِ) الْمُرَاد بِهِ النَّسْل وَالْعَقِب.

(لَئِنْ أَدْرَكْتُهمْ لَأَقْتُلَنّهُمْ قَتْل عَادٍ) أَيْ قَتْلًا عَامًّا مُسْتَأْصِلًا كَمَا قَالَ تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ (الحاقة:8)، وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى قِتَالِهِمْ وَفَضِيلَةٌ لِعَلِيٍّ - رضي الله عنه - فِي قِتَالِهِمْ. وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ قَوْله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «لَئِنْ أَدْرَكْتهمْ لَأَقْتُلَنّهُمْ» مَعَ أَنَّهُ نَهَى خَالِدًا عَنْ قَتْل أَصْلِهِمْ، وَأُجِيب بِأَنَّهُ أَرَادَ إِدْرَاك خُرُوجهمْ وَاعْتِرَاضهمْ الْمُسْلِمِينَ بِالسَّيْفِ، وَلَمْ يَكُنْ ظَهَرَ ذَلِكَ فِي زَمَانه، وَأَوَّل مَا ظَهَرَ فِي زَمَان عَلِيّ - رضي الله عنه - كَمَا هُوَ مَشْهُور.

[انظر: شرح النووي على مسلم (7/ 161 - 162)، فتح الباري لابن حجر (8/ 69)].

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ٣٦٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ٣٦٧