تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

- وَالْآخَرُونَ خَرَجُوا عَنِ الْجَادَّةِ إِلَى الْبُنَيَّاتِ (1)، وَإِنْ كَانَتْ مُخَالِفَةً لِصُلْبِ الشَّرِيعَةِ، حِرْصًا عَلَى أَنْ يَغْلِبَ عَدُوَّهُ، أَوْ يُفِيدَ وَلِيَّهُ، أَوْ يَجُرَّ إِلَى نَفْسِهِ نَفْعًا.

وَاتِّبَاعُ الْهَوَى هُوَ أَصْلُ الزَّيْغِ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ؛ قَالَ اللهُ تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ (آل عمران: 7) ـ أَيْ مَيْلٌ عَنِ الْحَقِّ ـ ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ (آل عمران: 7)، فَمِنْ شَأْنِهِمْ أَنْ يَتْرُكُوا الْوَاضِحَ وَيَتَّبِعُوا الْمُتَشَابِهَ، عَكْسَ مَا عَلَيْهِ الْحَقُّ فِي نَفْسِهِ.

وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذِمَّهِ الْقُرْآنُ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الجاثية: 23)، وَلَمْ يَأْتِ فِي الْقُرْآنِ ذِكْرُ الْهَوَى إِلَّا فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ. حَكَى ابْنُ وَهَبٍ عَنْ طَاوُسَ أَنَّهُ قَالَ: «مَا ذَكَرَ اللهُ هَوًى فِي الْقُرْآنِ إِلَّا ذَمَّهُ، وَقَالَ: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ (القصص: 50) إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.

وَحَكَى أَيْضًا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ عَنِ الْأَهْوَاءِ: «أَيُّهَا خَيْرٌ؟»، فَقَالَ: «مَا جَعَلَ اللهُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَمَا هِيَ إِلَّا زِينَةُ الشَّيْطَانِ، وَمَا الْأَمْرُ إِلَّا الْأَمْرُ الْأَوَّلُ». يَعْنِي مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ.

وَخَرَّجَ عَنِ الثَّوْرِيِّ أَنَّ رَجُلًا أَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما -، فَقَالَ: «أَنَا عَلَى هَوَاكَ». فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: «الْهَوَى كُلُّهُ ضَلَالَةٌ: أَيُّ شَيْءٍ أَنَا عَلَى هَوَاكَ؟».

وَالسَّبَبُ الثَّالِثُ مِنْ أَسْبَابِ الْخِلَافِ التَّصْمِيمُ عَلَى اتِّبَاعِ الْعَوَائِدِ وَإِنْ فَسَدَتْ أَوْ كَانَتْ مُخَالِفَةً لِلْحَقِّ: وَهُوَ اتِّبَاعُ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْآبَاءُ وَالْأَشْيَاخُ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ، وَهُوَ التَّقْلِيدُ

(1) () الْجَادَّةِ: وَسَطُ الطَّرِيقِ وَمُعْظَمُهُ، وبُنَيَّاتُ الطَّرِيقِ: هِيَ الطُّرُق الصِّغَارُ تَتَشَعَّبُ مِنَ الجادَّة.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ٣٤٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ٣٤٨